تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩

التوحيد ونفى الشرك

إذا ما أشرفنا على المسألة من جهتها الأخرى حيث يقابل الشركُ التوحيد ، ستبرز تجلّيات وآثار أخرى للتوحيد في الحياة العملية . يحسب الإنسان أحياناً نفسه موحِّداً ، بيد أنّه في الواقع مشرك ، يتحرّك تحرّكاً شركياً ، وكلّ ما هناك هو الاختلاف في مصداق الشرك ، فبعض مصاديقه واضح وبعضها خفىّ ، وبعضها ملتبس ، وقد تظافرت الأحاديث في أنّ الشرك ينقسم إلى جلىّ وخفىّ ، وأنّه أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ! لذلك لا ينبغي أن ينحصر تصوّر الشرك في أذهاننا على مصداقه الواضح الذي ينصرف إلى عبادة الأصنام ، وإلّا فهل الذي يتّجه إلى الصنم ويتوسّل إليه هو وحده المشرك ، أمّا الذي يتّجه إلى عبادة المال أو إلى عبادة هواه وإطاعته فهو موحّد ؟ ! لابدَّ من العودة إلى كتاب الله لننظر الحدود التي يرسمها بين التوحيد والشرك ، يقول تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ « 1 » ، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ « 2 » . ثم يأتي النهى عن اتّباع الهوى : فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى « 3 » ، وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ « 4 » . ربما يتساءل بعض الناس عن فائدة هذا البعد ، وهل هناك مشكلة تعود على الإنسان إذا ما جهل مراتب الشرك ؟ أجل ، هناك مشكلة تنبع من قوله سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ « 5 » . فإذا ما وقع الإنسان في بعض مراتب الشرك أفيُشمل بالغفران
هامش
( 1 ) الجاثية : 23 . ( 2 ) القصص : 50 . ( 3 ) النساء : 135 . ( 4 ) الكهف : 28 . ( 5 ) النساء : 48 .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 449 | السيد كمال الحيدري