التوحيد ونفى الشرك
إذا ما أشرفنا على المسألة من جهتها الأخرى حيث يقابل الشركُ التوحيد ، ستبرز تجلّيات وآثار أخرى للتوحيد في الحياة العملية .
يحسب الإنسان أحياناً نفسه موحِّداً ، بيد أنّه في الواقع مشرك ، يتحرّك تحرّكاً شركياً ، وكلّ ما هناك هو الاختلاف في مصداق الشرك ، فبعض مصاديقه واضح وبعضها خفىّ ، وبعضها ملتبس ، وقد تظافرت الأحاديث في أنّ الشرك ينقسم إلى جلىّ وخفىّ ، وأنّه أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ! لذلك لا ينبغي أن ينحصر تصوّر الشرك في أذهاننا على مصداقه الواضح الذي ينصرف إلى عبادة الأصنام ، وإلّا فهل الذي يتّجه إلى الصنم ويتوسّل إليه هو وحده المشرك ، أمّا الذي يتّجه إلى عبادة المال أو إلى عبادة هواه وإطاعته فهو موحّد ؟ !
لابدَّ من العودة إلى كتاب الله لننظر الحدود التي يرسمها بين التوحيد والشرك ، يقول تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ
« 1 » ،
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ
« 2 » . ثم يأتي النهى عن اتّباع الهوى :
فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى
« 3 » ،
وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
« 4 » .
ربما يتساءل بعض الناس عن فائدة هذا البعد ، وهل هناك مشكلة تعود على الإنسان إذا ما جهل مراتب الشرك ؟
أجل ، هناك مشكلة تنبع من قوله سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
« 5 » . فإذا ما وقع الإنسان في بعض مراتب الشرك أفيُشمل بالغفران
هامش
( 1 ) الجاثية : 23 .
( 2 ) القصص : 50 .
( 3 ) النساء : 135 .
( 4 ) الكهف : 28 .
( 5 ) النساء : 48 .