واحدة في هذا الدين ما لم يعرف التوحيد . عند هذه النقطة يكمن المغزى العميق لكلام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث يقول في أوّل خطبة من خطب « نهج البلاغة
» : « أوّل الدين معرفته » « 1 » .
لكنّ كمال الإنسان ليس في المعرفة ، بل في الإيمان والتصديق ، وكرامته في مزاوجة الإيمان بالعمل :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
« 2 » . والعلم وحده دون تصديق وإيمان ليس عديم النفع للإنسان فحسب ، بل يصير سبباً لخذلانه والاحتجاج عليه . يقول سبحانه :
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ
« 3 » فهؤلاء من حيث العلم عندهم يقين ، ولكن في الجهة الأخرى ليس لديهم إيمان وتصديق بما علموا وبلغوا فيه اليقين ، بل لديهم جحود . فلا قيمة للعلم بما هو علم ما لم يؤدِّ إلى الإيمان والتصديق ، فقد يكون الإنسان عالماً ولكنه ضالّ غير مهتد
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ
« 4 » . فهذا ضلّ وهو عالم وليس بجاهل ، إذ ليس بالضرورة أن يكون
المرء مهتدياً كلما كان عالماً .
على هذا الأساس ذهب العلماء إلى أنَّ العلم أمر غير اختيارىّ في الإنسان بخلاف الإيمان الذي يعدّ أمراً اختيارياً . وتوضيح ذلك أنّ حصول العلم بعد تهيئة المقدّمات هو أمر اضطرارىّ ، فإذا ما رُفعت لوحة أمامك وقد كُتب عليها ( 2 * 2 ) فسيقفز في ذهنك الرقم ( 4 ) فوراً ، من دون اختيار منك . وهكذا الحال كلّما تحقّقت المقدّمات .
بناءً على هذا الفرق نجد القرآن يحثّ على الإيمان ويطلبه ، حتى نصّت
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، طبعة صبحي الصالح ، بيروت ، 1967 ، الخطبة الأولى ، ص 39 .
( 2 ) الرعد : 29 .
( 3 ) النمل : 14 .
( 4 ) الجاثية : 23 .