مسألتان أساسيتان في القرآن تُعدّان محور الموضوع العقَدى ، هما التوحيد والمعاد . فعند العودة إلى القرآن الكريم نراه يعنى بالتوحيد ويؤكده في نفسه وفى آثاره التربوية والنفسية والاجتماعية بما لا يوازى تأكيده وعنايته بأي
موضوع عقَدى آخر ، إلّا المعاد الذي يؤكده ويعنى به في نفسه وما يترتّب عليه من آثار تربوية واجتماعية بما يفوق تأكيده وتركيزه على التوحيد « 1 » .
يشير القرآن الكريم في مفتتح سورة « هود » إلى وجود المحكم والمفصَّل في الكتاب الكريم « 2 » . يقول الله سبحانه :
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
هامش
( 1 ) يذكر الشيخ مرتضى مطهّرى أن عدد آيات القرآن التي تخصّ المعاد تصل بحسب بعض الباحثين إلى 1400 آية . ينظر : المعاد ، مرتضى مطهّرى ، ترجمة جواد على كسّار ، مؤسّسة أمّ القرى للتحقيق والنشر ، رمضان 1418 ه ، ص 5 ، 48 .
ويعود هذا التأكيد والاهتمام بالمعاد إلى أنّ إنكاره هو إنكار للربوبية « إذ لا معنى لربّ لا معاد إليه » ( الميزان ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 299 ) وإلى أنّ سقوطه هو بمنزلة « بطلان الدين الإلهى من رأس » ( الميزان ، ج 10 ، ص 15 ) كما أنّه « لا موقع للدين ولا فائدة له مع إنكار المعاد وإن اعترف بوحدانية الربّ » ( الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 3 ، ص 48 ) .
( 2 ) لا ينبغي الخلط بين أمرين ، فإنَّ في القرآن ما يضع المحكم في مقابل المتشابه ، كما في قوله سبحانه : هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ( آل عمران : 7 ) ؛ ما يعنى أنّ بعض آياته محكم وبعضها متشابه . لكن إلى جوار ذلك هناك ما يشير إلى أنّ القرآن محكم بأجمعه ، كما في قوله تعالى : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ( هود : 1 ) ، ومتشابهٌ بأجمعه أيضاً : كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ( الزمر : 23 ) ما يعنى أنّ المحكم والمتشابه هنا يجرى على القرآن بأكمله . ومعنى المتشابه في الحالة الثانية هو غير معناه في الحالة الأولى التي يكون فيها في مقابل / / المحكَم ، والمراد منه كصفة عامّة للقرآن . إنّ جميع آياته تنتظم في سياق واحد ، وينعطف بعضها على بعض ، بحيث تُؤلّف نظاماً جذّاباً ، وكياناً واحداً يتّسم بالإحكام ويعبّر عن الحقائق بشكل منسجم ، أمّا الآية التي نحن فيها كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ فهي تضع المفصل في مقابل المحكم .