تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
نجدها تتعامل مع السمع والبصر على أنّهما ضربان من الإدراك ، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الإدراك يرجع إلى العلم أو يختلف عنه ، إذ المهمّ أنّهما نوعان من الإدراك . والذي يُلحظ أنّ هذين الضربين من الإدراك يحتاجان في مرتبة من مراتبهما إلى أداة ؛ لضعفهما ، لكن لو قُدّر لهذا الإدراك أن يتصعّد في مراتب عالية فسيكون بغنىً عن الأداة . أبرز مثال لذلك وأوضحه هو العلم ، فالعلم عندما يكون عند الإنسان لا يعدو أن يكون كيفاً نفسانياً قائماً بالإنسان نفسه . بيدَ أنّ هذا العلم نفسه عندما يصعد إلى الله سبحانه يكون غنيّاً وقائماً بنفسه لأنّه عين الذات . فلئن كان العلم بالنسبة إلى الإنسان قائماً بالغير ، فلا ينبغي أن نتصوّر أنّ ذلك من لوازم العلم بما هو علم وأنّه لابدّ لأىّ علم أن يكون قائماً بالغير . هنا في الحقيقة تكمن مشكلة بعض الاتجاهات الفلسفية والكلامية ، فإنّها لما رأت أنّ العلم عند الإنسان قائم بنحو الكيف النفساني ، عمّمت الأمر إلى الله سبحانه فتصوّرت أنّه لابدَّ أن يكون قائماً به ، فجعلته زائداً على الذات ولكنّه قديم ، كما ذهب إلى ذلك الأشاعرة . الحصيلة : أنّ الآلة والأداة والوسيلة بالنسبة إلى السمع والبصر هي ليست من اللوازم المطلقة ، وإنّما هي من لوازم بعض مراتب الوجود فحسب ، ومن ثمّ فإن الله سبحانه منزّه في سمعه وبصره عن الآلة والجارحة . عند هذه النقطة في تنزيه المولى جلّ وعلا عن الجارحة والآلة في السمع والبصر التقت نصوص للفريقين ، منها ما ذكره أبو حامد الغزالي ( ت : 505 ) الذي قال عن السمع أثناء شرحه لأسماء الله الحسنى ، ما نصّه : « السميع : هو الذي لا يعزب عن إدراكه مسموع وإن خفى ، فيسمع السرّ والنجوى ، بل ما هو أدقّ من ذلك وأخفى ، يسمع حمد الحامدين فيجازيهم ، ودعاء الداعين فيستجيب لهم . ويسمع بغير أصمخة وآذان ، كما يفعل بغير