يبصر ؟ قال :
أنّى يكون ذلك ولا مبصر !
قال : ثمّ قال :
لم يزل الله عليماً سميعاً بصيراً ، ذاتٌ علّامة سميعة بصيرة » « 1 » .
أنكر النصّ صيغة « يعلم ، يسمع ، يبصر » واختار عوضاً عنها صيغة
« عليم ، سميع ، بصير » . والسبب في ذلك يعود إلى أنّ صيغة الفعل المضارع تدلّ على النسبة التلبّسية التي تقتضى وجود الطرفين « 2 » ، أي هي توحى بوجود المعلوم والمسموع والمبصَر أيضاً ، على حين يريد النصّ أن يجزم بوجود العلم قبل المعلوم ، والسمع قبل المسموع ، والبصر قبل المبصَر ، وفى هذا دلالة جليّة على أنّ هذه صفات ذات لا صفات فعل ، وهى متحقّقة بالله سبحانه قبل أن يوجد المعلوم والمسموع والمبصَر في الخارج ، وإلّا لو كانت صفة فعل فإنّها تتوقّف على وجود الفعل .
من باب « الأمثال تُضرب ولا تقاس » يمكن مقارنة المسألة بالواقع الإنسانى . فللإنسان سمع يتمتّع به حتى مع عدم وجود المسموع ، ولا محذور في فعلية السمع وأن يكون المسموع مستقبلياً يأتي بعد ذلك .
هكذا فإنّ الله سبحانه سميع بصير قبل وجود المسموع والمبصَر ، حتّى إذا ما أحدث الأشياء وكان المعلوم « وقع العلم منه على المعلوم ، والسمع على المسموع ، والبصر على المبصَر ، والقدرة على المقدور » « 3 » كما في الحديث الشريف ، وذلك بالصيغة التي بُيّنت في البحوث السابقة .
هامش
( 1 ) توحيد الصدوق ، مصدر سابق ، الحديث 2 ، ص 139 .
( 2 ) جاء في « التوحيد » على هامش الحديث أعلاه : « لا يصحّ أن يقال : الله يعلم بالشئ في الأزل ، بل يصحّ أن يقال : إنّه عالم بالشئ في الأزل ، لأنّ صيغة المضارع تدلّ على النسبة التلبّسية ، وهذه النسبة تقتضى وجود الطرفين في ظرف واحد » . المصدر ، هامش الصفحة 139 .
( 3 ) توحيد الصدوق ، باب صفات الذات وصفات الأفعال ، الحديث 1 ، ص 139 .