وما دام البحث قد قارب هذه النقطة ، فمن النافع إضاءتها لما يؤسّس قاعدة يستفيد منها الكتاب ليس في هذا البحث وحده ، بل في بحوث أخرى أيضاً .
تتمثّل نقطة الانطلاق بالسؤال عن القبيح أممكن هو ذاتاً أم ممتنع ذاتاً ؟ إنّ القبيح في الحقيقة ممكن ذاتاً ، من قبيل : إنسان له سبعة رؤوس ، وذلك على عكس اجتماع النقيضين الذي يعدّ ممتنعاً ذاتاً . وعندما يكون الفعل أو الشئ ممكناً ذاتاً فإنّ القدرة تتعلّق به بعكس اجتماع النقيضين الذي لا تتعلّق به القدرة لأنّه ممتنع ذاتاً .
لكن ثَمَّ فرق بين الامتناع الذاتي والامتناع الوقوعي هو الذي أفضى إلى وقوع بعضٍ بما وقع به من التباسات بهذا الشأن . ففعل القبيح ممكن بالنسبة إلى الله سبحانه وهو قادر عليه ، لكنّه لا يصدر عنه أبداً ، ويمتنع وقوعه منه مطلقاً . وفرق كبير بين الاثنين ، إذ إن القول بعجزه عنه فضلًا عمّا فيه من تقييد لقدرة الواجب سبحانه فهو يحوّله إلى فاعل مضطرّ ، وعندئذ لا يكون فاعلًا مختاراً . أمّا لماذا يمتنع وقوع القبيح منه سبحانه ، فلذلك أسباب ، منها :
أوّلًا : أنّ القبيح لا يسانخ الواجب جلّ وعلا ، وهو القائل :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ
« 1 » والقبيح ليس من شاكلته سبحانه ولا هو مسانخ له .
ثانياً : إنّ لصدور القبيح مناشئ منها أنّ فاعله يجهل قبحه فيصدر منه ، وهو باطل ومحال بالنسبة إلى الله جلّ شأنه ؛ لعلمه المطلق . وإمّا أنّه عالم بقبحه ، لكنّه يجد نفسه لا يستطيع أن يصل إلى ما يريد إلّا من خلال فعل القبيح . وهذا بالنسبة إلى الله سبحانه منافٍ لقدرته المطلقة ، فكلّ ما يريد تحقّقه
يحقّقه ب « كن فيكون » .
في ضوء ذلك ليست هناك حاجة تدعو الواجب سبحانه إلى فعل
هامش
( 1 ) الإسراء : 84