ذلك أصدق شاهد على أنّ القياس الواقع بين الإعادة والإنشاء إنّما هو بالنسبة إليه سبحانه لا بين الإعادة والإنشاء « 1 » .
أجل ، لو جاءت صيغة التفضيل مطلقة لما يفيد أنّ ذلك أهون مطلقاً أو أكبر مطلقاً دون صيغة الآية في قوله :
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
حيث يعود الضمير إلى الله ، لكان يمكن صرف التفضيل إلى الأفعال بعضها على بعض دون الفاعل ، ولصحّ هذا الوجه الذي ذكره الزمخشري .
معالجة الطباطبائي
يقدّم الطباطبائي معالجة لا تنفى ما عند الزمخشري بل تؤسِّس عليه لكنّها توجّهه وجهة أُخرى . ينطلق رحمه الله في البدء من قاعدة مرّت علينا خلال هذا الكتاب مرّات تفيد أنّ كلّ صفة كمالية ثبتت لموجود فأحسنها وأكملها وأشرفها ثابت لله سبحانه ، فإذا ما ثبت العلم لموجود فأحسنه وأشرفه وأعلاه ثابت لله ، جرياً على قاعدة :
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
« 2 » .
ولو عدنا إلى الإعادة والإنشاء بحسب طبعهما فإنَّ الإعادة أسهل من الإنشاء وبهذا استفاد من رأى الزمخشري في مقياس الناس . وبذا فإنّ أفضل هذا الأهون أو الأسهل وأعلى درجاته متمثِّلًا بالهين المحض موجود لله سبحانه ككمال من كمالاته .
وبهذا يصير مفاد الآية : إذا كان هذا ( الإعادة ) هيّناً عند الناس فهو عند الله أهون بمقتضى أفعل التفضيل وجرياً لقاعدة أنّ له من كلّ كمال وجودىّ أحسنه ، لا أنّ الأفعال بعضها أهون من بعض بالنسبة إلى قدرة الله سبحانه . بتعبير آخر : إذا كان هذا الفعل عند الناس هيّناً بدرجة عشرة مثلًا ، فهو أهون
عند الله بدرجة
هامش
( 1 ) ينظر : الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 16 ، ص 173 .
( 2 ) الأعراف : 180 .