بهذا يتّضح أنّ القاعدة التي تفيد « أنّ الأفعال والأشياء جميعاً إلى قدرة الله على حدٍّ سواء ، لا معنى فيها لأن يكون هذا الفعل أسهل وذاك أصعب » تستند إلى برهان عقلىّ ، والمثال المساق ما هو إلّا تمثيل نقلىّ يهدف إضاءة المسألة وتسهيل تلقّيها وحسب .
الموقف النقلي
في الوقت ذاته حرىّ بنا أن ننتبه إلى أنّ هذه المعاني مبثوثة في النصوص الروائية على أحسن وجه ، لا سيما « نهج البلاغة » ، بخاصّة الخطبة ( 186 ) التي يقول الشريف الرضى في وصفها : « في التوحيد ، وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة » . يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في جزء منها وهو يذكر خلقه سبحانه للدنيا وما فيها :
« لم يتكأَدْهُ صنع شئ منها إذ صنعه ، ولم يؤُده
« 1 »
منها خلق ما خلقه وبرَأه »
إلى أن يقول :
« ثمّ هو يفنيها بعد تكوينها ، لا لسأمٍ دخل عليه في تصريفها وتدبيرها ، ولا لراحةٍ واصلة إليه ، ولا لثقل شئ منها عليه
. لا يملُّه طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها ، ولكنّه سبحانه دبّرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ، ثمّ يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، ولا استعانة بشئ منها عليها ، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس ، ولا من حال جهل وعمىً إلى حال علم والتماس ، ولا من فقر وحاجة إلى غنىً وكثرة ، ولا من ذلٍّ وضعة إلى عزّة وقدرة »
« 2 » .
يفيض النصّ في تأكيد قدرة الله المطلقة التي تنصرف إلى الأشياء جميعاً على
حدٍّ سواء . كما أنّ جمع الإتقان إلى القدرة في قوله : « وأتقنها بقدرته » تأييد لمن
هامش
( 1 ) لم يتكأَدهُ : لم يشقّ عليه . ولم يؤده : لم يثقله ، نهج البلاغة ، مصدر سابق ، ص 647 .
( 2 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة 186 ، ص 276 .