من زاوية تقريب أحد زوايا الفكرة إلى الذهن ، متمثّلًا في أنّ شيئين في الخارج يمكن أن يكتسب أحدهما صفةَ سهل والآخر صفة صعب ، لكن نفس هذين الشيئين يفقدان الخصلة المذكورة عندما يردان على صفحة الذهن ، إذ يجيئان في التصوّر الإنسانى على درجة سواء من دون أن يكون هناك معنى لإطلاق أنّ هذا أسهل وذاك أصعب على مستوى إيجاد صورتهما الذهنية بالنسبة إلى الإنسان . مع ذلك نأمل أن لا يفضى هذا التمثيل إلى خلط بين القدرة الإلهية المطلقة والقدرة الإنسانية من زاوية الفهم والإدراك بالنحو الذي يؤدّى إلى ترحيل بعض قيود وشرائط وموانع القدرة الإنسانية وتعميمها في فهم وإدراك القدرة الإلهية . فالقدرة في الإنسان مقيّدة ولا يملك بإزاء فعل كتناول الطعام مثلًا سوى الإرادة ، وما يزيد على ذلك فهو وسائط وشرائط وموانع خارجة عن قدرته بالحقيقة وقيد يقيّدها ، بحيث إذا ما أراد الإنسان أن يعمل قدرته في تناول الطعام فإنّ عليه أن يهيّئ تلك الأمور التي تتقيّد بها قدرته في التأثير كتحصيل الغذاء ووضعه قريباً منه ، ورفع الموانع واستخدام الأدوات البدنية اللازمة وهكذا .
إذن ف « قلّة هذه الأمور وكثرتها وقربها وبعدها وما أشبه ذلك من صفاتها توجب اختلاف الفعل في السهولة وعدمها وضعف القدرة وقوّتها ، فتقيّد القدرة هو الموجب للاختلاف .
وأمّا قدرته تعالى فإنّها عين ذاته التي يجب وجودها ويمتنع عدمها . وإذا كان كذلك فلو تقيّدت بقيد من وجود سبب أو شرط أو عدم مانع لانعدمت بانعدام قيدها ، وهو محال ، فقدرته تعالى مطلقة غير محدّدة بحدٍّ ولا مقيّدة بقيد ، عامّة تتعلّق بكلّ شئ على حدٍّ سواء من غير أن يكون شئ بالنسبة إليه
أصعب من شئ أو أسهل » « 1 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 12 ، ص 306 .