مثل من واقع الإنسان
يمكن تقريب المعنى من خلال مثال مستلّ من واقع الممارسة الإنسانية . فلو أراد الإنسان من خلال علاقته بالواقع الخارجي أن يحقّق فعلين لأحدهما مقدّمة واحدة وللآخر سبع مقدّمات مثلًا ، فمن البديهىّ أنّ تحقيق الفعل الأوّل أسهل من الفعل الثاني ، والثاني أصعب من الأوّل . لكن لو انتقلنا إلى صفحة الذهن الإنسانى ، وأراد الإنسان أن يصوّر في ذهنه صورة لشئ ، فلا فرق في قدرة الإيجاد بالنسبة إليه بين أن يصوّر صورة لريشة أو صورة لجبل مع ما بين الاثنين من فارق هائل في الواقع الخارجي . فبمجرّد أن يشاء الإنسان يستطيع الذهن أن يوجد صورة ذهنية لريشة أو ذبابة ، كما يستطيع في الوقت نفسه أن يوجد صورة لجبل أو فيل من دون أن يلمس عناءً لا في الذهن ولا في قدرة الإيجاد بين التصوّر الأوّل والتصوّر الثاني .
يتّضح من هذا المثال أنّ كلّ إنسان هو أيضاً مظهر ل « كن فيكون » ، غاية ما في الأمر أنّ هناك دائرة محدّدة لتحقيق هذه الإرادة لا يمكنه أن يتخطّاها .
بيدَ أنّ النتيجة الأهمّ التي تترتّب على هذا المثال أنّ القدرة إذا تحرّكت وفق قاعدة « كن فيكون » فليس هناك فرق في إيجاد الفعل بين أن يكون صغيراً أو كبيراً ، ومن ثمّ لا معنى للسهولة والصعوبة ، كما لاحظنا ذلك من خلال المثال . عند هذه النقطة نلمس المعنى الذي يذكره المحقّقون بقولهم : إنّ صفحة الأعيان إلى الله ، كصفحة الأذهان إلينا . فما دامت الأعيان في الخارج حاضرة كلّها عند الله سبحانه فهو يُعمل فيها قدرته من خلال « كن فيكون » من دون فرق بين أن يتوقّف الفعل على واسطة واحدة أو على ألف واسطة .
لا شكّ أنّه قد يعترض بعضٌ على المثال انطلاقاً من قاعدة أنّ المثال يقرّب
من جهة ويبعّد من جهة أو من ألف جهة ، أو أنّ التمثيل ليس حجّة بحسب قول المناطقة ، إلّا أنّ الذي ذُكر لم يأخذ مكان الدليل العقلي على المسألة ، بل سيق