تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
يكون هناك معنىً للأصعب والأسهل عليه سبحانه بحيث تكون بعض الأفعال أسهل بالنسبة إليه من بعض ؟ في الحقيقة ليس في الآيات والنصوص الروائية تعبير « أصعب » لما في ذلك من إساءة أدب إزاء الذات المتعالية المقدّسة ، بل ورد فيها أنّ بعض الأفعال أهون ، فيكون هناك ما ليس بأهون بحسب المدلول الالتزامي ، أي ما هو أصعب ويحتاج إلى قدرة أكبر . تنطلق البداية المنطقية في الجواب من تحليل السؤال . فعندما يقال : « هذا الفعل صعب وذاك سهل » فما هو منشأ الصعوبة والسهولة ؟ يكمن المنشأ في طبيعة المقدّمات التي يستند إليها الفعل . فمن الأفعال ما يتوقّف على مقدّمات قليلة ، ومنها ما يتوقّف على مقدّمات كثيرة ، وعندئذ يكون الفعل الأوّل سهلًا والثاني صعباً قياساً إليه . لو افترضنا مقياساً معيّناً للقدرة يتألّف من درجات بحيث يكون لكلّ مقدّمة واحدة عشر درجات ، ثمّ افترضنا أنّ هناك فعلًا يتوقّف تحقّقه على مقدّمة واحدة وآخر يتوقّف على عشر مقدّمات ، فمن الواضح أنّ الفعل الأوّل يحتاج إلى عشر درجات على سلّم معيار القدرة بينما يحتاج الثاني إلى مئة درجة . ومعنى ذلك أنّ الإنسان الذي ينجز الفعل المؤلّف من مقدّمة واحدة ، سيكون عاجزاً عن تحقيق الفعل المؤلف من عشر مقدّمات بقدرة الفعل الأوّل ، وبذلك لا يتحقّق الفعل الثاني . على هذا يقدر الإنسان على تحقيق شئ ويعجز عن تحقيق آخر ، ومن ثَمَّ يمكن تصوّر إطلاق الأسهل والأصعب بالنسبة إليه ، لأنّ للقدرة الإنسانية مرتبة تبلغها وحدّ لابدّ أن تتوقّف عنده دون أن تستطيع تخطّيه . من البديهىّ أنّ هذا المعنى من المستحيل أن ينطبق على قدرة الله ، وعندئذ لا معنى لأن نتصوّر وجود فعل أو شئ أسهل وآخر أصعب بالنسبة إليه ، لما يفضى إليه ذلك من تحيّث في الذات الإلهية ، فبالتحيّث يمكن أن يصحّ القول بأنّ الله سبحانه