تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
لإيجاد العالم . وهذا هو موقف الحكماء . ومن جهة ثانية فإنّ فاعليته التامّة ليست سبباً لوجوب صدور الفعل عنه ، بل يمكن أن يصدر الفعل بعد ذلك ، وأن يكون الفيض حادثاً . وهذه هي نظرية المتكلِّمين في انقطاع الفيض . يؤمن الفلاسفة بدوام الفيض ويعدّونه لازماً للفاعلية التامّة كما مرّت إليه إشارة الطباطبائي كمثال « 1 » فالفاعلية عين ذاته ، وذاته أزلية ، فلابدّ أن تكون فاعليته أزلية ، فيلزم دوام الفيض في الابتداء « 2 » . وهذه الفاعلية ليست صحّة الفعل والترك ، إنّما هي بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، على نحوٍ ينسجم مع ضرورة الفعل « 3 » .
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 326 قوله : « إنّ قدرته تعالى هي مبدئيته للإيجاد وعلّيته لما سواه ، وهى عين الذات ، ولازم ذلك دوام الفيض » . ( 2 ) هنا بحث يُثار على هامش هذه المسألة مفاده : هل تنسجم نظرية دوام الفيض مع كون الله خالقاً ؟ إذ قد يُقال إنَّ معنى خلقَ وصنعَ وأوجدَ وفطرَ هو أن يكون المخلوق مسبوقاً بالعدم ، وإلّا إذا لم يكن مسبوقاً بالعدم فلا معنى للإيجاد ، إذ لا معنى للإرادة إذا كان الفعل موجوداً معه سبحانه من الأزل . أجل ، كلّ ما في الأمر أنّ هذا الفعل ليس واجباً بالذات بل هو واجب بالغير ، وذلك من قبيل اللازم الذي يلزم الملزوم بالذات . الزوجية مثلًا لازمة للأربعة ، ولا تنفكّ عنها ، وعندئذ فلا معنى من القول إنّ الأربعة أوجدت الزوجية . على هذا يفيد الاعتراض عدم انسجام مقولة الدوام مع الخالقية والفاعلية والصانعية . ومع أنّه ستأتي معالجة هذه المسألة تفصيلًا ، إلّا انّنا نشير إلى أنّ المنحى الذي اخترناه في البحث القاضي بالجمع بين نظرية الحكماء في أنّ الداعي عين الذات ونظرية المتكلِّمين في انقطاع الفيض ، يكفى لمعالجة هذا الإشكال . ( 3 ) تترتّب على هذا النحو من الفهم مسائل كثيرة حتّى في علم المعاد ، فهل هناك مرحلة ما بعد الدنيا كالتي يشير إليها القرآن بقوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( غافر : 16 ) ؛ هل هناك مرحلة تعدّ فناءً بمعنى العدم أم لا ؟ عندما يأتي أصحاب هذه الفهم إلى قوله كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ ( القصص : 88 ) ، وقوله سبحانه : وَيَبْقَى / / وَجْهُ رَبِّكَ ) ( الرحمن : 27 ) وما هو في معناه ، تراهم يحملون الفناء على ضرب من التأويل ، ونحو من أنحاء التصرّف ، حيث لا يمكن أن يكون المراد من الفناء هو العدم ؛ لعدم انسجام ذلك مع فاعليته التي هي عين ذاته . تعدّ هذه المسألة سيّالة ، إذ لابدّ أن تبدأ بعد هذا العالم بعد مرحلة يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ( الأنبياء : 104 ) نشأة وعالم وفاعلية أخرى ، وهكذا . وقد أعان هذا المنطق الفلسفي ما أثبتته معطيات العلوم الحديثة خلال القرون الأخيرة من تبدّل النظرة إلى الكون بعد أن سقطت نظرية الأفلاك والأجرام العلوية دائمة الوجود بسقوط علم الهيئة القديم ، لتغيب بذلك الحجّة التي تفيد بأنّ الأفلاك والأجرام العلوية دائمة الوجود بأشخاصها .