تكون إلّا في الفعل دون الانفعال ، فلا نعدّ انفعال الشئ عن غيره شديداً كان أو ضعيفاً قدرة . ولا في كلّ فعل ، بل في الفعل الذي لفاعله علم به . فلا نسمّى الفواعل الطبيعية العادمة للشعور قدرةً لها ، ولا في كلّ فعل لفاعله علم
به ، بل في الفعل العلمي الذي يبعث العلم به فاعله على الفعل . فليست مبدئية الإنسان مثلًا لأفعاله الطبيعية البدنية ( مثل حركة المعدة في هضم الطعام ونبض القلب ) قدرةً وإن كان له علم بها ، بل الفعل الذي يعلم الفاعل أنّه خير له . . . ولازم العلم بكون الفعل خيراً للفاعل أن يكون كمالًا له يقتضيه بنفسه . . . وإذا فرض أنّه عالم بكونه خيراً له وكمالًا يقتضيه ، انبعث الفاعل إليه بذاته ، لا بإيجاب مقتضٍ غيره وتحميله عليه ؛ فلا قدرة مع الإجبار ، والقادر مختار » « 1 » .
ههنا إذن عوامل أو قيود ثلاثة تحيط معنى القدرة ، هي :
1 المبدئية أو الفعل وعدم الانفعال .
2 العلم ، إذ ترتبط القدرة بالفعل الذي لفاعله علم به .
3 الاختيار ، إذ لا يكفى علم الفاعل بالفعل وحسب ، بل لابدّ أن يكون قادراً على الإتيان بالفعل .
على هذا يتحصّل : « أنّ القدرة المجرّدة عن النواقص والأعدام هي كون الشئ مبدأً فاعلياً للفعل عن علم بكونه خيراً واختيارٌ في ترجيحه » « 2 » .
فإذا ما كان الفاعل ناقصاً فهو يريد من فعله أن يستكمل به نقصه ويدرأه عن نفسه ، لكون الفعل خيراً للفاعل وكمالًا له . أمّا إذا كان الفاعل تامّاً فلا يستكمل بالناقص ، إنّما يفعل هذا الفعل لأنّه تامّ ، فلتمامه يفعل هذا الفعل ، تماماً كما في الإنسان الجواد ، فلو سألت الجواد لماذا أعطى ، لجاء الجواب لأنّه جَواد . فالجود هو منشأ العطاء . ولو قُدِّر لهذا الكيف النفساني ( الجود ) أن
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 297 296 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 298 .