والفلاسفة يكون البحث قد تقدّم خطوة إضافية ، وهو يسعى إلى استكناه أبرز مواقف
الفرقاء على هذا الصعيد .
4 ثلاث قراءات
بشأن مقولة : « هل أفعال الله معلّلة بالأغراض ؟ » أفرز تُراث المسلمين الفكري ثلاث قراءات موزّعة على ثلاثة اتجاهات فِرَقية كان لها ولا يزال حضورها في السجال الفكري حيال مسائل العقيدة ومفرداتها من خلال طبيعة بناءاتها المعرفية ؛ هذه القراءات هي :
1 القراءة الأشعرية : المقصود من الأشعرية هنا ليس كيانها الفِرَقى والتاريخى بل مضمونُها الفكري الذي ينطلق من نظرة معرفية محدّدة لعقيدة الإسلام تعكس آثارها على بقيّة جوانب هذا الدين ، ولاسيّما الفروع والأخلاق والمفاهيم ، بل حتّى النظم الإسلامية كالسياسة والاجتماع .
يذهب الأشاعرة إلى أنّ الفعل الإلهى غير معلّل بالغرض ، فهو سبحانه :
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
« 1 » .
2 القراءة الاعتزالية والإمامية : اختار المعتزلة وكثير من الإمامية أنّ لله داعياً لإيجاد الفعل ، وهذا الداعي وإن كان زائداً على ذاته إلّا أنّه راجع إلى فعله لا إلى الفاعل نفسه الذي هو الله سبحانه . فإيجاد الإنسان أو العالم يكمن وراءهما داعٍ زائد على الذات يتمثّل بمصلحة الفعل وغايته لا بمصلحة الفاعل وغايته . فعن خلق الإنسان ووجوده مثلًا يقول سبحانه :
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 2 » . فالعبادة هنا هي الداعي والغرض ، لكن للفعل لا للفاعل ، لأنّ الله سبحانه غنىّ عن العالمين . وذلك على عكس القراءة الأولى التي تلتزم
هامش
( 1 ) الأنبياء : 23 .
( 2 ) الذاريات : 56 .t