مثلًا بتهيئة الماء أو شربه إلّا إذا كان عطشاناً .
الثانية : أنّ الداعي يدعو إلى أمر معدوم ، وإلّا إذا كان الشئ
موجوداً والأمر متحقّقاً فلا معنى لداعوية الداعي إلى الفعل ، لأنّه تحصيل حاصل .
إنّ الخصيصة الثانية هي التي تفسّر إصرار المتكلّمين في أن يكون هذا العالم مسبوقاً بالعدم لكي يكون الله سبحانه فاعلًا مختاراً ، وإن لم يكن مسبوقاً بالعدم فلا معنى لتحقّق الداعوية إلى أمر موجود ، لأنّه تحصيل حاصل .
هذا ما يرتبط بالفاعل الإنسانى ، لكن هل تجرى القدرة في الله في ضوء هاتين الخصيصتين أو الشرطين أيضاً ؟ في البدء لابدّ من التنويه إلى أنّ مسألة الداعي إلى إيجاد الفعل ، وأن الداعي لا يكون إلّا إلى أمر معدوم يُعدّان من أهمّ المسائل الفلسفية .
لقد مضت سيرة المتكلِّمين والحكماء على معالجة المسألة وبحثها في إطار المقولة التي تفيد : هل أفعال الله سبحانه معلّلة بالأغراض ؟ ثمّ هل ينبغي وجود هذين الشرطين في الله لكي يكون فاعلًا مختاراً ؟ في الحقيقة هنا يكمن محل النزاع بين الطرفين . فالمتكلِّم يذهب إلى لابدية الشرطين ، وهو يفترض ضرورة أن يوجد عند الله سبحانه داع زائد على ذاته ، وأنّه لابدَّ وأن يكون الفعل معدوماً ، بينما يرفض الحكيم كلا الشرطين في تعريف القدرة وفهمها ، ثمّ تعليلها وتفسيرها تفسيراً عقلياً .
يرفض الحكيم أو الفيلسوف نظرية زيادة الداعي على الذات ، كما لا يقبل أن تتحوّل مقولة « لابدّ وأن يكون الداعي إلى أمر معدوم » إلى شرط أو حتمية لا تُخرم ، لأنّه يمكن برأيه أن يكون إلى أمر موجود .
ومع أنّ المسألتين كلتيهما طُرحتا على طاولة البحث الفلسفي كعنوانين مستقلّين ، إلّا أنّ معطَى البحث فيهما يرتبط بالقدرة ارتباطاً وثيقاً .
بعد معرفة النقطة التي يكمن من حولها الخلاف بين المتكلِّمين
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 362
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٦٢