ثمّ ينعطف بعد ذلك ليدلّل كيف أنّ القدرة مساحة يتنازع فيها الاتجاهان الكلامي والفلسفي ، فيضيف : « والمتكلِّمون يقولون بأنّ الباري تعالى قادر إذ
كان فعله حادثاً ، غير صادر عنه في الأزل ، ويلزم القائل بالقِدَم كون فاعله موجَباً . والحكماء يقولون : كلّ فاعل فعل بإرادةٍ مختارٌ ، سواء قارنه الفعل في زمانه أو تأخَّر عنه » « 1 » .
نلمس التمييز ذاته بين المتكلِّمين والحكماء وافتراقهما إلى نمطين في كتاب درسىّ آخر هو « شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام » حيث يقول مؤلِّفه في بحث الصفات : « إنّه تعالى قادر مختار ، بمعنى أنّه يتمكّن من الفعل والترك ، بمعنى أنّه تعالى قد يتخلّف عنه الفعل . فإنّ القدرة بهذا المعنى هو المتنازع فيه بين المتكلِّمين والحكماء » . ( 2 )
ثمّ يذكر بعدئذ موطن التوافق بينهما قبل أن يمضى بتحليل المسألة وما يرتبط بها من مقولات ، فيستطرد مضيفاً : « وأمّا القدرة بمعنى كونه بحيث يصحّ منه فعل العالم وتركه بالنظر إلى ذاته تعالى ، أو بمعنى كونه بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فمتّفق عليه بين الفريقين » « 2 » .
ممّن أشار إلى وجود تعريفين للقدرة الأوّل كلامىّ والآخر فلسفىّ وأنّ أحدهما غير الآخر ، علاء الدين علي بن محمّد القوشجي ( ت : 879 ه ) في كتاب درسىّ آخر لعقائد المسلمين « 3 » .
هامش
( 1 ) كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد ، للمحقِّق الطوسي والعلّامة الحلّى ، تحقيق وتعليق الشيخ حسن مكي العاملي ، دار الصفوة ، بيروت 1413 ه ، ص 157 ، 159 .
( 2 ) شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام ، عبد الرزاق اللاهيجي ( ت : 1051 ه ) ، طبعة حجرية ، المجلّد الأوّل والثاني ، في المباحث المتعلّقة بالقدرة ، ص 500 .
( 3 ) شرح تجريد العقائد ، علاء الدين علي بن محمد القوشجي ( ت : 879 ه ) طبعة حجرية ، منشورات الرضى بيدار عزيزي ، المقصد الثالث ، ص 310 .