المفصلية التي تؤطّر الباحث فيها داخل الفلسفة أو الكلام ، ثم تمنحه هويّته المعرفية كفيلسوف أو متكلِّم ، كمسألة حدوث العالم ، أو مسألة أنّ الشئ ما لم يجب لم يوجد .
أمّا الداعي الكائن وراء هذا الموقع الذي تحتلّه القدرة في المعرفة التوحيدية فيعود إلى طبيعة النتائج المترتّبة عليها في هرم هذه المعرفة ، منظوراً إليها من خلال مسائل ثلاث ، هي :
الأولى : توفّر البحث الفلسفي على ذكر أقسام للفاعل منها أن يكون فاعلًا بالقصد ، وقد يكون فاعلًا بالرضا ، أو فاعلًا بالتجلّى وهكذا . وطبيعة التعريف المُنتخَب للقدرة له دخل مباشر في تحديد نحو الفاعلية الإلهية .
الثانية : يتوقّف على طبيعة تعريف القدرة وفهمها تحديد معنى الاختيار الإلهى . فالاختيار عند الإنسان له معنىً واضح ، فهو يستطيع أن يفعل وأن يترك بإزاء الفعل الواحد ، فهل ينطبق المعنى ذاته على الله سبحانه حينما يوصف أنّه فاعل مختار ، أم هناك معنىً آخر لابد من الالتزام به ؟
الثالثة : ترتبط النتيجة الثالثة التي تنشأ عن طبيعة فهم القدرة وتعريفها بمسألة الفيض ، وهل هو منقطع الأول ؟ إنّ حسم الموقف في قضية حدوث العالم وهل كان مسبوقاً بعدم ليس من الضروري أن يكون عدماً زمانياً ( بمعنى أنّ الله سبحانه كان ولم يكن معه شئ ، ثمّ خلق بعد ذلك وأوجد وصنع ) يتوقّف على طبيعة معرفة القدرة الإلهية ، فهذه هي التي تحدّد الأمر وتحسمه بين القول بدوام الفيض من الأوّل أو انقطاعه من الأوّل أيضاً ، حيث لا كلام في اتّصاله من الآخر .
في ضوء هذه الخلفية التي تعطى للقدرة هذا الموقع التمييزى بين الفلسفة والكلام ، نسعى الآن للرسوّ على أبرز تعريفين مشهورين أفرزهما الفكر الفلسفي والكلامى على مسارهما الطويل .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 358
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٨