تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧

ج : إثبات القدرة المطلقة ومناهضة المنحى اليهودي

ثَمَّ منحى في العقيدة والفكر يذهب إلى تضييق القدرة الإلهية المطلقة ، والبداء يضرب أركان هذا الفكر من القواعد ويقوّض بنيانه . القرآن الكريم وأحاديث النبىّ صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام تنسب هذا الضرب من الفكر صراحة إلى اليهود ، الذين كانوا يؤمنون أن الله سبحانه عندما قدّر الأمور في علمه الذاتي منذ الأزل ، فإنّ القلم قد جفَّ بما قدَّر ، ولا يمكن لله نفسه أن يغيّر ما قدّر . فردّ القرآن الكريم عن هذا الادّعاء بقوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ « 1 » . ترجع الدعوى اليهودية بالتحليل إلى تقييد القدرة الإلهية وتحديدها ، وهو ما يتعارض مع إطلاقها ولاتناهيها . أجل ، يؤمن الإنسان الموحِّد بأن لله سبحانه سنناً تجرى في الكون ، وأنّ هناك قضاءً وتقديراً قضاه الله وقدّره في هذا العالم ، بيدَ أنّه يؤمن في الوقت ذاته أنّ هذا النظام كلّه واقع تحت سلطته وسلطانه المطلق ، لا يخرج عن ملكه وقدرته شئ . يشير الطباطبائي لهذا المنحى اليهودي في ظلال تفسيره للآية ، بقوله : « كانت اليهود لا ترى جواز النسخ في الأحكام الدينية ، ولذا كانت لا تقبل بنسخ التوراة وتعيّر المسلمين بنسخ الأحكام . وكذا كانت لا ترى جواز البداء في القضايا التكوينية » . وبعد مناقشة في التفاصيل والوجوه التفسيرية للآية ، ينتهى إلى القول : « وكيف كان فهذه النسبة أعنى نسبة غلّ اليد والمغلوبية عند بعض الحوادث ممّا لا يأباه تعليمهم الديني والآراء الموجودة في التوراة . فالتوراة تجوّز أن يكون الأمور معجزاً لله سبحانه ، وصادّاً مانعاً له من إنفاذ بعض
هامش
( 1 ) المائدة : 64 .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 347 | السيد كمال الحيدري