كما يمعن في نصّ آخر بإظهار تمادى الإنسان فيما يخيَّل إليه تحدِّى الطبيعة الكونية وقهرها عبر التقدّم العلمي ، ليخلص إلى القول : « كيف يمكن للإنسان وأنّى يسعه أن يعارض الكون بعمله وهو أحد أجزائه التي لا تستقلّ
دونه البتة ؟ » « 1 » . ثمّ ينتقل إلى تقرير العلاقة الجدلية بين الفعل الإنسانى صالحاً أو طالحاً وبين الطبيعة من حوله ، وهو يقول : « تأمّل في قوله تعالى :
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
« 2 » تراه شاهداً ناطقاً بذلك ، فالآية تذكر أنّ المظالم والذنوب التي تكسبها أيدي الناس توجب فساداً في البرّ والبحر ، ممّا يعود إلى الإنسان كوقوع الحروب وانقطاع الطرق وارتفاع الأمن وغير ذلك ، أو لا يعود إليه كاختلال الأوضاع الجوية والأرضية الذي يستضرّ به الإنسان في حياته ومعاشه » « 3 » .
تنتهى هذه النقطة إلى حصيلة تبيّن من خلال ما أثبته القرآن من تعدّد التقدير الإلهى وما أشار إليه أئمّة أهل البيت عليهمالسلام من خلال مسألة البداء ، أنّ مصير الإنسان بيد الإنسان نفسه ، وأنّ العلاقة مع النظام الكوني تابعة لنسق علاقة الإنسان مع ربّه ، فكلّما كانت العلاقة قائمة على أساس الطاعة والانقياد فإنّ الطبيعة تنقاد إليه ، وتفيض بخيراتها عليه ، أمّا إذا كانت العلاقة قائمة على أساس التمرّد والعصيان ، وتتحرّك في نطاق الغرور والزهو والخيلاء والمنطق الفرعونى القائل : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى « 4 » فإنّ السنن الكونية الحاكمة في نظام التكوين ستقهر الإنسان
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
« 5 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 198 .
( 2 ) الروم : 41 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 8 ، ص 197 196 .
( 4 ) النازعات : 24 .
( 5 ) فاطر : 43 .