تؤكّد وجود ضربين من الأجل ، كما هي مستفيضة في الكشف عن تأثير العمل في تغيير المصير . يقول الشيخ المفيد ( ت : 413 ه ) في « أوائل المقالات » عندما يصل إلى البداء : « وليس بيني وبين كافّة المسلمين في هذا الباب خلاف ، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه » « 1 » .
ومن المعاصرين كرّر الملاحظة ذاتها السيد الطباطبائي ( ت : 1402 ه ) عندما كتب : « والذي أحسب أنّ النزاع في ثبوت البداء كما يظهر من أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السلام ونفيه كما يظهر من غيرهم ، نزاع لفظىّ . . . ومن الدليل على كون النزاع لفظياً استدلالهم على نفى البداء عنه تعالى بأنّه يستلزم التغيّر في علمه ، مع أنّه لازم البداء بالمعنى الذي يفسّر به البداء فينا ، لا البداء
بالمعنى الذي يفسِّره به الأخبار فيه تعالى » « 2 » .
مع ذلك كلّه لم يسلم الشيعة من الغائلة والتهم تكال لهم دون تمحيص وعلم منذ الصدر الأوّل حتّى الآن « 3 » ، من دون أن يكلّف المشنعون أنفسهم عناء الفهم والإصغاء إلى الدليل . ولا غرابة أن يقتفى الخلف آثار السلف ما دام الأمر يتعلّق بالشيعة ؛ ذلك أنّ « كل شئ تطوّر إلّا الكتابة عن الشيعة ، ولكلّ بداية
هامش
( 1 ) أوائل المقالات في المذاهب المختارات ، أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي ( ت : 413 ) ص 93 92 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 382 381 . كما ينظر أيضاً : الإلهيات ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 581 .
( 3 ) الذي يدرس أحاديث البداء ويطلع عليها دفعة واحدة في المجاميع الحديثية ، يلمس بسهولة من ثنايا تلك الأحاديث النزعة التشكيكية التي كان يحملها بعضهم لهذا المبدأ ، بل يبرز هذا المعنى واضحاً في ثاني أحاديث الباب من موسوعة بحار الأنوار ، في الحوار الذي جرى بين الإمام علي بن موسى الرضا وسليمان المروزي ، حيث يبادره الإمام عليه السلام بسؤاله : « ما أنكرت من البداء يا سليمان ! » : بحار الأنوار ، مصدر سابق ، ج 4 ، ص 95 ، الحديث 2 .