صلة المتغيِّر بالثابت
لماذا ختمت الآية الكريمة بقوله :
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ
؟ بتعبير آخر : لماذا ختم ما هو متغيّر بما هو ثابت ؟ ثمّ ما هي العلاقة بين لوح المحو والإثبات وأمّ الكتاب ؟ يعلّل الطباطبائي ذلك على أساس دفع محذور قد يوهم بأن التغيّر قد يجرى في القضايا والأمور تبعاً للعلل والعوامل الخارجية ، من دون أن توجد صورة ثابتة مسبقة يرجع إليها ، أو أنّه يتمّ جزافاً ممّا يؤدى إلى اضطراب نظام الخليقة العامّ . يقول في ذلك : « وقوله
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ
أي أصله ، فإنّ الأمّ هي الأصل الذي ينشأ منه الشئ ويرجع إليه ، وهو دفع للدخل وإبانة لحقيقة الأمر ، فإنّ اختلاف حال الكتاب المكتوب لأجلٍ بالمحو والإثبات ، أي تغيّر الحكم المكتوب والقول المقضى به حيناً بعد حين ربما أوهم أن الأمور والقضايا ليس لها عند الله سبحانه صورة ثابتة ، وإنما يتبع حكمه العلل والعوامل الموجبة له من خارج كأحكامنا وقضايانا معاشر ذوى الشعور من الخلق ، أو أنّ حكمه جزافىّ لا تعيّن له في نفسه ولا مؤثّر في تعينه من خارج ، كما ربما يتوهم أرباب العقول البسيطة أنّ الذي له ملِك مطلق وسلطنة مطلقة ، له أن يريد ما يشاء ويفعل ما يريد على حريّة مطلقة من رعاية أىّ قيد وشرط ، وسلوك أىّ نظام أو لا نظام في عمله ، فلا صورة ثابتة لشئ من أفعاله وقضاياه عنده ، وقد قال تعالى :
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ
« 1 » ، وقال :
وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ
« 2 » إلى غير ذلك من الآيات .
فدفع هذا بقوله :
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ
أي أصل جنس الكتاب ، والأمر الثابت الذي يرجع إليه هذه الكتب التي تُمحى وتثبت بحسب الأوقات
هامش
( 1 ) ق : 29 .
( 2 ) الرعد : 8 .