النظرية الثانية
نزعة أخرى نشأت في حياة المسلمين إزاء هذه الحقائق لم تكن أقلّ خطلًا
من سابقتها ، فقد برزت اتجاهات في تأريخ الفكر الإسلامي حملت هذه الحقائق على ظاهر معناها ومصاديقها المادّية . فالعرش عندهم مخلوق كهيئة السرير له قوائم ، وهو موضوع على السماء السابعة ، والله مستو عليه كاستواء ملوك البشر على عروشهم ، والكرسىّ مثله !
وهكذا الحال بالنسبة إلى اللوح وما يلحق هذا الجانب من مفردات .
هؤلاء هم المشبِّهة والمجسّمة من المسلمين ، الذين نزلوا بحقائق التوحيد من مستواها التنزيهي الرفيع ، إلى واقع مادّى ضيّق ، وقد فاتهم أنّ القرآن والسنّة والعقل تجتمع على مناهضة رؤيتهم وتقاطعها بالكامل ، وهى تنزّه ربّ العالمين أن يماثل شيئاً من خلقه ويشبهه في ذات أو صفة أو فعل .
بديهىّ أنّ بروز هذا الاتجاه في حياة المسلمين لم يكن مستغرباً أو غير متوقع في ظلّ المناخات التعطيلية التي حاصرت العقل وضربت على حقّ الإنسان في المعرفة والسؤال وممارسة البحث العلمي الحرّ ، فمقدّمات مثل تلك تكمّ الأفواه وتلاحق الناس وتصمهم بالبدعة والضلالة والكفر ، كان لابدّ أن تفضى إلى هذه النتائج وما هو أسوأ .
لقد فات أصحاب هذه النظرية أنّ قوله سبحانه :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ
« 1 » لا يقتصر على الذات الربوبية وحسب ، بل هو بلورة لقاعدة مطردة أو قانون عامّ يضبط المعرفة التوحيدية ويوجّهها في بحث الصفات والأفعال كما في الذات . فكما أنّه ليس كمثل ذاته شئ ، كذلك ليس كصفاته وأفعاله شئ يماثلها .
بتعبير أكثر علمية : إنّ قوله سبحانه
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ
يقدّم بين يدي الإدراك الإنسانى قاعدة من أهمّ القواعد التي تطّرد وهى تشمل التوحيد الذاتي والتوحيد الصفاتى والتوحيد الأفعالى جميعاً .
هامش
( 1 ) الشورى : 11 .