تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
الله سبحانه لا يتحوّل ويتنزّل ويكون عيناً ، لأنّه لو صار كذلك لفقد مرتبته . هذا عن قوس النزول ، حيث يكون الابتداء من الله والنزول إلى عالمنا . كذلك الأمر في قوس الصعود من هذا العالم إلى العوالم الأخرى . يقول سبحانه : يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ « 1 » كما يقول : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ « 2 » ، فليس معناه أنّ الإنسان إذا صعد مرتبة وجودية فقَدَ مرتبته السابقة . كلّا ، هذا صعود على نحو التجلّى ، كما أنّ ذاك تنزّل على نحو التجلّى أيضاً . وبه أيضاً يتبيّن خطل التصوّر الذي يظنّ أن آية وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ تحتاج إلى صرفٍ عن ظاهرها ، لإنّ الحديد شئ ؛ فله خزائن كما تنصّ الآية صراحةً ، لكن من البديهىّ أنّ خزائن الحديد عند الله لا تحوى الحديد على النحو الذي يتداوله الإنسان على الأرض ، بل هو هناك بنحو من الوجود ، وعلى الأرض بنحو آخر ، وتلك حقيقة وهذه حقيقة وإن كان المحتوى واحداً . نخلص في خاتمة هذه النقطة إلى أنّ التنزل في الآية الكريمة وَمَا نُنَزِّلُهُ هو ليس التنزّل على نحو التجافي ، وإنّما هو التنزّل على نحو التجلّى . وفيه : أنّ الشئ لا يفقد مرتبته العالية بحضوره في مرتبة وجودية أخرى . 5 تقول الآية في آخرها : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . من المباحث القرآنية المهمّة أنّ الشئ كلّما « تنزّل » ( أي ترتّب في مراتب الوجود من الأعلى إلى الأسفل في نطاق العلية والمعلولية ) تزداد قيوده . فكلّما ابتعد عن مصدر الكمال المطلق المتمثّل بالحق سبحانه كثرت حدوده وزادت نقائصه وقلّت كمالاته ، فإذا كان في أوّل تنزّله فسيكون فيه نحو من الحدّ ، ثم إذا صار في التنزّل الثاني كثر الحدّ وهكذا . نقطة المعيار في هذه الملاحظة هي الاقتراب من مصدر
هامش
( 1 ) الانشقاق : 6 . ( 2 ) فاطر : 10 .