زائلة ولا متغيّرة لأنّها عند الله وما عند الله باق ، فإذن هي فوق عالمنا المشهود ، لأنّ الأشياء في هذه النشأة المادّية وفى عالمنا المحسوس متغيّرة فانية لا تتّسم بالثبات ولا بالبقاء .
هكذا ينتهى التحليل المضمونى في خاتمة هذه النقطة إلى أنّ الخزائن الإلهية التي تذكرها الآية هي جميعاً فوق عالمنا المشهود ، بحكم انتسابها إلى ما عند الله ، وما عند الله باق ، ومن ثَمَّ فهي أمور ثابتة غير زائلة .
4 تنصّ الآية :
وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
. فما معنى الإنزال أو التنزيل أو النزول ، بالأخصّ وإن القرآن الكريم يستخدم التعبير في مواضع متعدّدة ، منها قوله سبحانه :
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ
« 1 » ،
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 2 » ،
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
« 3 » وغير ذلك كثير .
عندما يقول سبحانه :
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ
فهل معنى ذلك أنّ القرآن الكريم كان في مكان مادّى عالٍ ، وأنّ الله سبحانه أنزله نزولًا مكانياً ، كما لو كان عندنا شئ ذو قيمة في مكانٍ عالٍ ، ثم ننزله مكانياً من مكان إلى مكان آخر ؟ وهل يعنى قوله سبحانه :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
أنّ هذا الحديد الذي بيد الإنسان كان في مكان عال مثلًا ، ثمّ أنزله الله من هناك ؟
كذلك قوله سبحانه :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ
« 4 » أو
قوله في إدريس عليه السلام :
وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً
« 5 » هل يعنى أنّ الله سبحانه رفعه من حيث الارتفاع المكاني ، أم المقصود المكانة الرفيعة ؟
وفى الآية مورد البحث
وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
فإنّ النزول يستدعى علوّاً وسفلًا ، ورفعةً وخفضة ، وسماءً وأرضاً ، فكيف
هامش
( 1 ) الدخان : 3 .
( 2 ) القدر : 1 .
( 3 ) الحديد : 25 .
( 4 ) الزمر : 6 .
( 5 ) مريم : 57 .