الحضورية فيه ، بعكس التنزّل على نحو التجافي ، حيث يفقد الشئ مرتبته العالية ، بحيث إذا صار سفلًا فهو ليس عالياً ، وإذا صار فوقاً فهو ليس تحتاً وهكذا .
يمكن تقريب الحالة بمثال من النشاط العلمي للإنسان ، فإذا ما كانت عند الإنسان فكرة في ذهنه ، ثمّ عمد إلى كتابتها على الورق ، فإنّ هذه الفكرة تنزّلت من مرتبة العقل وصارت في مرتبة الورق ، والعقل مرتبة من الوجود والورق مرتبة أخرى منه . لكن الفكرة عندما نزلت من الذهن على الورق لم يفقد الإنسان علمه بها ، بل هي ما تزال تحافظ على وجودها في الذهن ، غاية ما هناك أنّها ظهرت في مرتبة أخرى من مراتب الوجود دون أن تفقد مرتبتها السابقة .
طبيعي أنّ للفكرة في مرتبتها الوجودية الجديدة أحكامها الخاصّة بها ، فإنّ الفكرة وهى في الذهن موجود مجرّد غير قابل للنقل والسرقة مثلًا ، لكنّها وهى على الورق تنطبق عليها أحكام المادّة ، فهي قابلة للانتقال والسرقة وما إلى ذلك . فالفكرة هي هي ، وهى غيرها . هي هي لأنّ المضمون واحد ، فما هو موجود في الذهن وما هو على الورق شئ واحد ، بيدَ أنّهما يختلفان في المرتبة الوجودية ، فللفكرة في الذهن درجة وجودية مجرّدة عن المادّة ، أمّا على الورق فهي في درجة وجودية أخرى .
لقد تقدّم فيما سبق تعبير للطباطبائى في تحديد العلم الفعلي في أمثال قول
الله سبحانه :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ
« 1 » وقوله سبحانه :
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ
« 2 » ، حيث قال فيه : « إنّ المعنى : ليظهر معلومنا ( يعنى به الله سبحانه ) على ما علمناه » « 3 » . في ضوء هذا التمييز يتضحّ أن علم
هامش
( 1 ) الحديد : 25 .
( 2 ) الجن : 28 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 12 ، ص 249 .