الكمال سبحانه والابتعاد عنه ، فالشىء عند الله مستقرّاً في خزائنه يكون غير مقدّر بقدر ، ولا محدود بحدٍّ ، وهو مع ذلك هو . لكن كلّما تنزل ازدادت حدوده وقيوده وقلّ كماله . كثير من الآيات تشير إلى هذه الحقيقة ، تعرف بآيات القدر ، منها قوله سبحانه : وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ « 1 » وقوله : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً « 2 » . والآية مورد البحث أشارت للحقيقة ذاتها :
وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
إذ قرنت النزول وهو الخلقة بالقدر قرناً لازماً لا يجوز فيه الانفكاك ؛ لمكان الحصر . فكينونة زيد مثلًا وظهوره بالوجود إنّما هو بما له من القدر المعلوم ، فوجوده محدود لا محالة . وهذا القدر هو الذي بسببه يتعيّن الشئ ويتميَّز عن غيره ، فيكون في زيد مثلًا شئ به يتميّز عن عمرو وغيره من أفراد الإنسان ، ولولا هذا الحدّ لم يتميّز الإنسان والحيوان ، ولا الأرض والسماء « 3 » .
خلاصة هذه النقطة أنّ للشئ حال تنزّله قدراً به يتعيّن ويتميّز عن غيره .
النتيجة
تنتهى هذه الجولة من التطواف في الآية الكريمة ، إلى إثبات مراتب
متعدّدة للفعل الإلهى تبدأ من الثلاثة فما بعد ، أوّلها وثانيها ما في الخزائن الموجودة فوق هذا العالم المشهود على اعتبار أنّ أقلّ الجمع اثنان وثالثها ما في هذا العالم المشهود . ومن ثمّ تخطئ الرؤية الكلامية في المدرسة الإسلامية غير الإمامية حين تحصر عالم الخليقة والإمكان ببعد أُحادىّ واحد ، فيما ذهبت إليه من أنّ كلّ ما سوى الله فهو العالم المادّى الجسماني .
هامش
( 1 ) الرعد : 8 .
( 2 ) الطلاق : 3 .
( 3 ) ينظر : الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 12 ، ص 145 143 .