المسافات ، ووفّروا على أنفسهم وعلى الناس كثيراً من المنزلقات الوعرة التي تحفّ طريق العقل لو سار وحده بصاحبه دون ضياء الوحي أو بعيداً عن نور النقل .
أمّا الإشكال الذي يرد في طبيعة حاجتنا للعقل إذا كان النقل يكمن من ورائه ، وما معنى العقلانية التي تستضىء بنور النقل ؟ فإنّ الإجابة عليه ينهض بها البحث في نظرية المعرفة التي ترسم الحدود وتحدّد الثغور بحيث تكون لكل أداة منطقتها .
على أنّ النقل الذي نتحدّث عنه في مجال هذه النقطة ، هو ذلك الذي جاء بمنزلة البحث العقلي ، وتضمّن صيغ الاستدلال البرهاني بأتمّ صورها وأدقّها ، بحيث لم تزد حصيلة البحث العقلي عندما ولج هذه المواضيع على ما جاء به النقل بشئ .
مع أنّ للنقل استخدامات كثيرة في الكتاب تخطّت هذه الدائرة ، إلّا أنّ ما قصدناه في إطار هذه الملاحظة هي تلك المجالات التي أغنى بها النقل بروحه البرهانية وعناصره الاستدلالية عن إقامة برهان عقلىّ .
هذه الموارد كثيرة في الكتاب ، بيد أنا سنقتصر على الأمثلة التالية :
1 أثارت الصفات الإلهية في فكر المسلمين معركة انتهت إلى عدد من الاتجاهات الكلامية . عند هذا المنعطف روى المتكلّم الإمامىّ المعروف هشام بن الحكم أنّ زنديقاً دخل على الإمام جعفر الصادق عليه السلام يسأله : « أتقول إنّه سميع بصير ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام :
« هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آلة ، بل يسمع بنفسه ، ويبصر بنفسه ، وليس قولي إنّه سميع بنفسه أنّه شئ والنفس شئ آخر ، ولكني أردت عبارة عن نفسي إذ
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 28
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨