مملوء ببحوث توحيدية دقيقة سجّل فيها النقل تألّقاً لم ترقَ الفلسفة إلى ضفافه ولم تقترب من تخومه إلّا بعد ألف عام أو يزيد ، والأهمّ من ذلك أنّها لم تتاخمه إلّا بإرشاد من النقل نفسه ، ولولا إضاءات النقل لبقيت شاردة عنه . ولا غرو ، فالمعارف التي يتطلّع إليها الإنسان عبر الفلسفة والكلام ، والحقائق التي يصبو إليها عبر الكشف والعرفان ، قد جاءت : « على لسان أئمّة ديننا أهل بيت العصمة والوحي ، على نحو ألطف وأشرف مما هي عليه في دقائق كتب الحكمة المتعالية » ، كما يثبّت ذلك باحث معاصر متضلّع في
البحث الفلسفي « 1 » .
بيد أنّ ذلك لا يعنى تعطيل النظر ، وتجميد العقل ، وإلغاء دور الجهد الإنسانى في المعرفة كيف ؟ ! وهو مما حثّت عليه الشريعة ذاتها إنّما يعنى إرشاداً ، له مغزاه العميق على صعيد طبيعة المنهج الذي ينبغي الالتزام به بين دورى العقل والنقل أو الفلسفة والدين .
فالنقل في هذا المضمار مفتاح يشقّ الطريق أمام العقل ويثير دفائنه « 2 » ، وهو ضياء ينير له السبيل ، ليرقى العقل على هذا الهدى إلى معارج المعرفة ويبلغ ذراها .
لذلك لم يكن غريباً أن تدوّن الفلسفة أكبر الإنجازات وأسماها لأولئك الفلاسفة والباحثين الذين ارتادوها مزوَّدين بسراج النقل ، فاختصروا
هامش
( 1 ) دوّمين يادنامه علّامه طباطبائى ( الكتاب التذكارى الثاني عن العلامة الطباطبائي ) ، بحث الشيخ حسن زادة آملي : « العرفان والحكمة المتعالية » ص 56 . طهران 1984 .
( 2 ) يقول الإمام أمير المؤمنين : « فبعث فيهم رسله ، وواتر بهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكّروهم منسىّ نعمته . . ويثيروا لهم دفائن العقول » . نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة 1 ، ص 43 .