ما أثبتته هذه المدارس من تعدّد في مراتب الخليقة لا يقصد منه مطلق التعدّد ومطلق المرتبة ، بل مرتبةٌ من الوجود تكون بمنزلة العلّة والسبب والواسطة ، ومرتبة تكون بمنزلة المعلول وما يوجد بواسطة المرتبة الأشرف أو الأعلى ، أي أنّه توجد علاقة طولية بين هذه المراتب لا عرْضية ، وإلّا فمن الواضح أنّ هناك وجودات متعدّدة في مرتبة واحدة كمرتبة عالم المادّة يأتي بعضها فوق بعض ، فالإنسان فوق الحيوان ، والحيوان فوق النبات ، والنبات فوق الجمادّ ، وكلّ واحد منها يؤلِّف عالماً .
إنّ ما يرتبط بإثبات مراتب للعلم الفعلي بثبوت وجود مراتب للفعل الإلهى نفسه ، يتّصل بوجود مراتب على نحو الطولية بينها عليّة ومعلوليّة . يقول الطباطبائي في هذا المجال : « وتُتصوّر هذه الكثرة على أحد وجهين : إمّا طولًا وإمّا عرضاً ، فالأوّل وهو حصول الكثرة طولًا ، أن يوجد عقل ثم عقل وهكذا . . . وهناك أنواع متباينة من العقول ، كلّ منها منحصر في فرد ، وهى مترتّبة نزولًا ، كلّ عال أشدّ وأشرف ممّا هو بعده وعلّة فاعلة تامّ الفاعلية له » ، على خلاف الكثرة عرْضاً ؛ إذ « لا علّية ولا معلوليّة بينها » « 1 » والمطلوب لإثبات تعدّد مراتب الفعل هو الكثرة الطولية .
ب : موقف البحث النقلي
يدور البحث أساساً حول موقف النقل من المسألة المطروحة بشكل عامّ وأنّه أيثبت لفعل الله مرتبة واحدة أم مراتب متعدّدة .
سنقصر الحديث على القرآن الكريم وحده تاركين الجانب الروائي إلى الفقرات التي ستأتي فيما بعد . في القرآن الكريم عدد من الآيات تناولت الموضوع ، بيدَ أنّ البحث سيتركّز حول آية توصف أنّها من غرر
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 317 .