خلَق الإنسان هذه الصورة بنفسه ، فهي فعله ، وفى الوقت ذاته هي عِلمه . معنى أنّ هذه الصورة علم الإنسان : أنّها ليست معلومة له من خلال صورة منها ، بل هي بنفسها تؤلِّف علم الإنسان ، فهي معلومة له بذاتها دون واسطة .
يتعاطى الإنسان مع الكتاب الذي بين يديه الآن من خلال صورة ذهنية ، فالكتاب حاضر عند القارئ لكنّه حاضر بوجوده الذهني . فهناك إذن شئ يتوسّط بين الإنسان والواقع الخارجي ( الكتاب ) يطلق عليه الصورة الذهنية .
لكن هل هناك شئ يتوسّط بين الصورة الذهنية وبين الإنسان ، أم هذه الصورة الذهنية حاضرة بنفسها ومعلومة بذاتها عنده ؟ لا ريب أنّها حاضرة بنفسها دون واسطة ، ومن ثَمَّ فإنَّ هذه الصورة الذهنية هي فعل الإنسان وهى علم الإنسان أيضاً ، ومعلومة لديه بنفسها لا بواسطة صورة أخرى .
الذي يقوم عليه البحث في هذا الضرب من ضروب العلم الإلهى أنّ هذه الأشياء الموجودة في الخارج كما أنّها فعل الله ومخلوقاته ، فهي أيضاً علمه سبحانه ومعلوماته ، لكن في مقام الفعل لا في مقام الذات .
العلم الفعلي حضورىّ أم حصولىّ ؟
في ضوء التمييز المذكور آنفاً يكون العلم الإلهى بالأشياء مع الإيجاد وبعده علماً حضورياً ، لأنّ مخلوقات الله سبحانه وأفعاله معلومة له بنفسها ، وحاضرة عند خالقها وموجدها بوجودها ، لا بتوسّط صورة فيصير العلم حصولياً . بيدَ أنّ إثبات هذه المسألة على صعيد البحث العقلي يتطلّب إثبات أنّ
العلم الحضوري لا يختصّ بعلم الشئ بنفسه بل يعمّه إلى غيره .
رغم اختلاف الدراسات الفلسفية في هذا المجال ، إلّا أنّ ثمَّ اتجاهاً فلسفيّاً ذهب للبرهنة على أنّ العلم الحضورىّ لا يختصّ بعلم الشئ بنفسه ، بل هناك