العلمي لهذا الفريق بعكس العرفاء . لكن تلك التصانيف ترادف بين الصيغتين ؛ لما له دلالة على أكبر رموز العرفان في الحياة الإسلامية ، في طليعتهم الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربى ( 638 560 ) ولا تريد بالمتصوّفة إلّا هؤلاء دون من يعلق بالوعى العامّ من زهّاد ودراويش ، ونصوص صدر الدين الشيرازي وغيره أيضاً في الحديث عن هذا المذهب لها دلالة واضحة على هذه الملاحظة . ينطلق هؤلاء من نظرية الأعيان الثابتة التي تفيد أنّ للأشياء قبل وجودها ثبوتاً علمياً به تعلّقَ علمُ الله قبل الإيجاد .
فلو أخذنا الإنسان مثالًا ، فهم يعتقدون أنّ لماهيته وجوداً خارجياً هو هذا الإنسان الذي في الخارج أمامى وأمامك فهو موجود بالوجود الخارجي ، لكن كان هذه الماهية لها قبل وجودها الخارجي نحو من الثبوت ، ومن ثمّ فإنّ الوجود عندهم لا يُرادف الثبوت ، فقد يكون الشئ ثابتاً ولا يكون موجوداً .
هذه الماهية الثابتة تكون قائمة بنحو مستقلّ تارة ، وأخرى قائمة بمن يعلمها ، فإذا كان الثبوت بنحو العينية والاستقلال فهذه نظرية المعتزلة في الثابتات الأزلية ، وإذا كان الثبوت علمياً لا عينيّاً خارجيّا فهذه نظرية العرفاء في الأعيان الثابتة .
إذن تشترك نظرية المعتزلة ونظرية العرفاء في شئ وتختلفان في شئ آخر . فالنظريتان تلتقيان عند إيمانهما معاً بأنّ للماهيات الإمكانية ثبوتاً قبل الإيجاد
وإن لم تكن موجودة ، فالأشياء وإن لم تكن موجودة إلّا أنّ لها ثبوتاً . هذه جهة الاشتراك .
بيدَ أنّهما يفترقان في تحديد طبيعة الثبوت ، إذ يذهب المعتزلة إلى أنّ هذا الثبوت عينىّ ، بينما يذهب العرفاء إلى أنّه ثبوت علمىّ . هذه جهة الاختلاف .
يجرى السيد الطباطبائي على هذا التمييز بين النظريتين وهو يستعرض مذاهب المسلمين في العلم الإلهى ، إذ يقول : « التاسع : قول المعتزلة أنّ
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 257
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٥٧