كما يبين الفارق ذاته بين الاثنين في « نهاية الحكمة » بقوله : « واعلم أنّ أكثر المتكلِّمين على هذا القول ( المشّائى ) وإن طعنوا فيه من حيث عدّه العلم قبل الإيجاد كلياً ، زعماً منهم أنّ المراد بالكلّى ما اصطُلح عليه في مبحث الكلى والجزئي من المنطق » « 1 » .
الثانية : تكمن نقطة الاختلاف الثانية بين الفريقين ، برفض المتكلِّمين لما ذهب إليه المشّاؤون من عدّ هذا العلم زائداً على الذات ، وأنّه ليس عين الذات ولا هو جزء منها . إليه أشار السيد الطباطبائي ، تتمّة النصّ أعلاه تعقيباً على « الأسفار » : « وتحاشى أكثرهم ( المتكلِّمين ) عن عدّه زائداً على الذات » « 2 » .
مناقشة مزدوجة
حيث تُمثل النظرية السابقة بوجهيها الموقف العلمي لطبقة واسعة من الفلاسفة المشّائين والمتكلِّمين ، أمكن مناقشتها بعدد من النقاط .
بشأن المشّائين يُلحظ ما يلي :
1 بعد أن أثبت الموقف الفلسفي المشّائى أنّ هذا العلم زائد على الذات ، ليس داخلًا فيها لا بنحو العينية ولا بنحو الجزئية ، يلزم منه خلوّ الذات عن الكمال . فالذات بما هي ذات ما دامت خالية من العلم بالأشياء قبل الإيجاد تفصيلًا ، فهي فاقدة لكمال ، وهذا الخلوّ ينعكس نقصاً وحدّاً وفقراً . وهو محال ، لأنّ الله سبحانه كامل لا نقص فيه ، وغنىّ لا فقر فيه ، وعلم كلّه لا جهل فيه ، وهو وجود صرف لا يشذّ عنه كمال من الكمالات الوجودية ، بل له من كلّ كمال أعلاه وأشرفه ، فإن قيل أنّه فاقد لكمال العلم بالأشياء قبل الإيجاد
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 292 .
( 2 ) الحكمة المتعالية ، ج 6 ، حاشية ص 180 .