ذهب عامّة المتكلّمين » « 1 » . كما يقول في « نهاية الحكمة » بعد بيانه لنظرية المشّائين : « واعلم أنّ أكثر المتكلِّمين على هذا القول » « 2 » .
بيدَ أنّ المتكلّمين لم يذعنوا إلى نظرية المشّائين بتمامها ، بل اختلفوا معهم في نقطتين :
الأولى : لم يقبلوا ما ذهب إليه المشّاؤون من وصف العلم الإلهى بالكلية ، لأنّهم تصوّروا أنّ علم الله إذا صار كلياً فهو لن يعلم الجزئي « 3 » .
ومنشأ الالتباس يعود إلى استخدام فلاسفة المشّاء تعبير على وجه الكلية ، فتصوّر المتكلّمون أنّ ما يقصده المشّاؤون هو الكلّى في مقابل الجزئي ، ومن ثمَّ
رتّبوا عليه أنّ الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات .
لكن قد تبيّن خطل هذا التصور فيما مرّ ، من خلال التمييز بين الكلّى والجزئي المنطقي ، وبين الكلّى والجزئي في استخدام المشّاء ، فما أراده الفلاسفة من الكلّية هو الثبوت في مقابل التغيّر ، وليس الكلّى في مقابل الجزئي المنطقي ، بمعنى أنّ علمه سبحانه ثابت لا يتغيّر بتغيّر المعلوم . إلى هذا الفارق بين الرؤيتين يشير السيد الطباطبائي في حاشيته على « الأسفار » : « وإليه ( رأى المشّائين ) ذهب عامّة المتكلّمين ، وإن تحاشوا عن تسميته كلياً » « 4 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق ، ج 6 ، هامش صفحة 180 .
( 2 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 292 .
( 3 ) هذا الالتباس صار منشأً لما ذهب إليه المجلسي في بحار الأنوار من نسبة جمهور الفلاسفة إلى نفى علم الله بالجزئيات ، حين قال : « اعلم أن من ضروريات المذهب كونه تعالى عالماً أزلًا وأبداً بجميع الأشياء كلّياتها وجزئياتها من غير تغيّر في علمه تعالى ، وخالف في ذلك جمهور الحكماء فنفوا العلم بالجزئيات عنه تعالى » . بحار الأنوار ، مصدر سابق ، ج 4 ، ص 87 .
( 4 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 6 ، حاشية ص 180 .