تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
ربّما يتّضح الفارق على نحو أفضل من خلال مثال طبّى ، فعندما يشعر الإنسان بألم في أسنانه ويذهب إلى طبيب الأسنان ، فإنّ الطبيب يراه يتألّم فيحصل له علم بألم المريض ، إلّا أن علمه بالألم يبقى حصولياً ، لأنّ نصيبه من الألم مجرّد صورة عنه ، بعكس المتألّم فإن نصيبه من الألم هو الألم نفسه لا صورة عنه ، والألم حاضر بنفسه عنده ، وهو يعاني من آثاره مباشرة . يقاس على الألم اللذة والابتهاج والسرور والحزن ، فهذه حالات يعيشها الإنسان الذي يمرّ بها حضورياً ، في حين تنعكس عند الآخرين حصولياً . في هذا الضوء يكون السؤال : هل علم الله سبحانه بالأشياء قبل الإيجاد هو علم حصولىّ بحيث نصيبه منه صور الأشياء ؟ أم هو علم حضورىّ ، أي نفس الأشياء . إذا قيل إنّه حصولىّ فلا يوجد موجود بعد حتى يأخذ صورة عنه . ثم إن ذلك يتنافى مع ما مرَّ من صفته من أنّه علم فعلىّ ، لأنّه إذا صار حصولياً يكون علماً انفعالياً لا علماً فعلياً . أمّا إذا قيل إنّه حضورىّ ، فالأشياء غير موجودة حتى تكون حاضرة عنده سبحانه . هنا يكمن التعقيد الذي تنطوى عليه المسألة ، إذا فصلت عن السياق وبقية المسائل ، أمّا لو تمّ النظر إليها في ضوء المباني والمرتكزات السابقة فسيسهل علاجها والجواب عنها . لقد مرَّ في الفصل الأوّل من فصول العلم أنّ الله سبحانه يعلم ذاته ، وعلمه بذاته حضورىّ . ثمّ ثبت أنّ علمه بالأشياء قبل الإيجاد هو عين الذات وليس زائداً عليها ، إذن سيكون علمه بهذه الأشياء المساوق للذات علماً حضورياً . وهذه واحدة من ثمرات مبدأ أنّ علمه سبحانه عين ذاته وليس زائداً عليها .