يشبه العلم الوجود في منهج البحث ، إذ لا تتناول الفلسفة أصل إثبات الوجود لأنّه وجدانىّ ، ولا تعريف مفهومه لأنّه بديهىّ ، بل ينصبّ البحث على أقسامه .
2 يقرِّر الوجدان أيضاً أنّ العلم صفة كمال ، وكفى بالعلم فخراً أن يدّعيه من لا علم له ، ولو كان نقصاً ما ادّعاه الجاهل ؛ لذلك ترى الجميع صغيراً وكبيراً ، بارزاً وضئيلًا يتألّم إذا نسبتَ إليه الجهل .
فالعلم إذن وصف وجودىّ كمالىّ لا يختصّ بمرتبة دون أخرى بل هو وصف عامّ ، بحسب ما يقرّره العقل والوجدان .
ثمّ في النقل نصّ روائىّ يتألّق في تأكيد هذا المعنى ، فعن ابن عميرة عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :
« العلم هو من كماله »
« 1 » يعنى كمال الله سبحانه .
ينبغي الإشارة إلى نقطة منهجية في استخدام النصّ الروائي في مثل هذه المواضع ، إذ لا يحتاج الباحث أن يدقّق في السند ، لأنّ النصّ يلعب دور الشاهد والمؤيّد للمرتكز الوجداني والعقلي الواضح الذي لا يحتاج إلى دليل ،
ومن ثمّ فهو لا يمارس دور تأسيس الدليل حتّى يحتاج إلى التمحيص السندي .
3 يحظى مبحث العلم بأهمّية متميّزة في الإلهيات ، بل ربما كان أهمّ بحوث التوحيد ، فمن العلم تنفتح أبواب متعدّدة ، وعلى أساسه تشاد قواعد يرتاد فيها البحث التوحيدي آفاقاً رحيبة .
يقول الحكيم السبزواري في حاشية له على الأسفار : « اعلم أنّ مسألة العلم مسألة مهمة في الإلهيات يستنبط اللبيب العارف منها كثيراً من المسائل المهمّة ، خصوصاً مسألة التوحيد الخاصّى ، إذ كما مرَّ قولنا : « البسيط كلّ الموجودات » ليس إلّا مسألة العلم الحضوري الذاتي ، ولا يستقيم هذا إلّا بذاك » « 2 » كما سيأتي
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق ، بيروت 1983 ، ج 4 ، ص 83 .
( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، حاشية السبزواري ، ج 6 ، ص 270 .