يتّضح أنّ أهمّ خصوصية للحياة الواجبية أنّها حياة يستحيل أن يقع في قبالها موت ، تماماً كما مرَّ في وحدته سبحانه من أنّها وحدة يستحيل أن يقع في قبالها ثان ، على عكس الوحدة التي يتّسم بها الإنسان مثلًا ، فهي تقبل الثاني . كذلك حياة الموجودات الممكنة مجرّدة كانت أم مادّية فهي الأخرى يمكن أن يطرأ عليها الموت ، وإذا كانت هناك مخلوقات مجرّدة لا تموت كالملائكة ، فإنّ حياتها لا بذاتها إنّما بإفاضة من الله .
لفتة
لأهل المعرفة تمييز لطيف بين قول الله سبحانه :
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ
« 1 » وقوله :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
« 2 » إذ المقصود من الآية الأولى هو الموت الذي يعرض النفس بعد الحياة . أمّا الآية الثانية فهي تريد أن تبيّن أنك في ذاتك لا حياة لك ، إذا كانت لك حياة فهي عارضة عليك من
الغير .
إنّ خطاب
إِنَّكَ مَيِّتٌ
يعمّ جميع الموجودات الحيّة ، فأيّما موجود حىّ نضع اليد عليه الآن يصحّ عليه وصف
إِنَّكَ مَيِّتٌ
ولا حياة له في ذاته ، بل تطلق عليه صفة الحياة بإفاضة من الله سبحانه .
هذا المعنى بالمواصفات ذاتها يحكيه قوله سبحانه :
كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 3 » فكلّ شئ هالك الآن لا أنّه سيهلك في المستقبل ، وكل ما خلا الله باطل « 4 » ، باطل في ذاته ، وإذا ما وجد له شئ فبإعارة من الله وإفاضة منه ، كما سيتّضح ذلك تفصيلًا في بحث التوحيد الأفعالى .
هامش
( 1 ) آل عمران : 185 .t( 2 ) الزمر : 30 .t( 3 ) القصص : 88 .t( 4 ) قال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ( لقمان : 30 ) .
كما يشتهر في هذا المجال بيت لبيد بن ربيعة العامري :
ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل وكلّ نعيم لا محالة زائل
حيث نسب إلى النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال فيه : « أشعر كلمة تكلّمت به العرب كلمة لبيد » ، وفى رواية أخرى أنّه صلّى الله عليه وآله قال : « أصدق كلمة قالها شاعر » .
جامع مسلم : ج 4 ، ص 41 ، ط مصر ، العدد المسلسل 2256 ، نقلًا من شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 1 / 2 ، ص 100 ، علّق عليه : آية الله حسن زاده الآملى .