تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
الْحَىُّ الْقَيُّومُ « 1 » ، كذلك قوله : وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيُّوم « 2 » . بيد أنّ الحياة التي تنسب إلى الله سبحانه كصفة ذات ، ينبغي أن تخضع للضوابط نفسها التي مرّت حول الصفات . من تلك الضوابط تقسيم الصفات الثبوتية إلى صفات فعل وصفات ذات على معيارين كلامىّ وفلسفىّ يميّزان بينهما ، حيث يفيد المعيار الكلامي أن صفة الذات ما لا مقابل لها ، كالحياة والعلم والقدرة . فالله سبحانه لا يوصف بالحياة مرّة والموت أخرى ، ولا بالعلم والقدرة تارة وبالجهل والعجز تارة أخرى . الحياة من صفات الذات ، بل هي الأصل الذي تنشأ منه أمّهات الصفات كالعلم والقدرة . لكن عندما نرجع إلى القرآن نراه يجعل الموت في مقابل الحياة : الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا « 3 » . والله سبحانه حىّ نحو حياة لا يقابلها موت . لكي تتّضح الصفة أفضل وأن الله سبحانه يتّصف بحياة لا يعرضها موت ، لابدّ من الاستعانة مجدّداً بالتمييز القائم بين المفهوم والمصداق من جهة ، وبين المصاديق ذاتها من جهة أخرى . فالمصاديق التي يعرضها الموت هي الممكنات ، أمّا واجب الوجود سبحانه فصفاته عين ذاته ، ومن ثمَّ فالصفات التي تطلق عليه صفات غير متناهية ، إذ لو كانت متناهية فهي غير قابلة للصدق عليه ذاتاً ، فالله إذن حياة لا موت فيه . هذه حقيقة أكّدها القرآن الكريم على نحو جلىّ ، في قوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ « 4 » . لكن قد يعترض على ذلك بأنّ الملائكة لا تموت أيضاً ، بل الإنسان نفسه لا يموت أي لا يفنى بل يتحوّل من نشأة إلى أخرى . في الحقيقة ثمَّ فرق بين الحالتين ، فالملائكة والإنسان وبقية الموجودات الممكنة من الممكن أن يعرضها الموت ، بينما الله سبحانه حىّ نحو حياة من المحال أن يعرض عليها الموت . من ثمَّ فإنّ الحياة الحقيقية هي لله حصْراً اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ » « 5 » لا لسواه ، أي أنّ الحياة التي لا يطرأ عليها الموت لذاتها محصورة بالله وحده ، على غرار القوّة والعلم والعزّة وغيرها ، فهذه في وصفها المطلق غير المتناهى لله وحده ، وما للآخرين من حياة وعلم وقدرة وعزّة ، عارضة عليهم بإفاضة منه سبحانه . يقول السيّد الطباطبائي بعد بيان : « من هنا يظهر أنّ الحياة الحقيقية يجب أن تكون بحيث يستحيل طروّ الموت عليها لذاتها ، ولا يُتصوّر ذلك إلّا بكون الحياة عين ذات الحىّ غير عارضة لها ولا طارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته ؛ قال تعالى : وَتَوَكَّلْ
هامش
( 1 ) البقرة : 255 . ( 2 ) طه : 111 . ( 3 ) الملك : 2 . ( 4 ) الفرقان : 58 . ( 5 ) البقرة : 255 .