فالحمد وصف مدح وثناء إذا صدر من إنسان ليس مخلصاً خالطته النقائص فلا يليق بساحة قدسه ، فاحتاج إلى التنزيه . بعكس ما لو صدر عن المخلصين
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
« 1 » ذوى التوحيد الإخلاصى
« وكمال توحيده الإخلاص له »
« 2 » ، كما حكاه عن عدّة من أنبيائه ، وعن أهل الجنة المطهرين من لغو القول والتأثيم
وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
« 3 » ، وقد جعل حمدهم حمده ووصْفهم وصفه .
يقول : « وأمّا غير هذه الموارد فهو تعالى وإن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم ، كقوله تعالى :
وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
« 4 » ، وقوله :
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ
« 5 » ، وقوله :
وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 6 » ، إلّا أنّه سبحانه شفَّع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الأصل في الحكاية وجعل الحمد معه ، وذلك أنّ غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه التي منها الأفعال ؛ قال تعالى :
وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
« 7 » . فما وصفوه به فقد أحاطوا به وصار محدوداً بحدودهم مقدّراً بقدر نيلهم منه ، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلّا من بعد أن ينزّهوه ويسبّحوه عمّا حدّوه وقدّروه بأفهامهم ؛ قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
النحل : 74 » « 8 » .
الاستثناء الوحيد هنا هم المخلصون من عباده ، فقد جعل حمدهم حمده ووصفهم وصفه
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
« 9 » ، وذلك
هامش
( 1 ) الصافات : 159160 .
( 2 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة 1 ، ص 39 .
( 3 ) يونس : 10 .
( 4 ) الشورى : 5 .
( 5 ) الرعد : 13 .
( 6 ) الإسراء : 44 .
( 7 ) طه : 110 .
( 8 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 20 .
( 9 ) الصافات : 160 159 .