الانحدار صوب التعطيل بغلْق باب المعرفة تماماً ، بل المعرفة ممكنة بوجه من الوجوه ، وبعلامات تدلّ على الصفات .
أمّا امتناع اكتناه الذات واستحالته على الإدراك البشرى فيفسّره السيّد
الطباطبائي في ضوء مشكلة اللغة من خلال تقريب حسّىّ ملموس ، يذكر فيه : « أنّ هذه المعاني والمفاهيم للعقل بمنزلة الموازين والمكائيل يُوزن ويُكتال بها الوجود الخارجىّ والكون الواقعىّ ، فهي حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن وإن ضممنا بعضها إلى بعض واستمددنا من أحدها للآخر ، لا يُغترف بأوعيتها إلّاما يقاربها في الحدّ ، فإذا فرضنا أمراً غير محدود ( الذات الإلهية ) ثم قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم ننل منه إلّا المحدود وهو غيره ، وكلّما زدنا في الإمعان في نيله زاد تعالياً وابتعاداً » « 1 » .
من معطيات التمييز بين المفهوم والمصداق معالجة مشكلة أخرى قد يعرض لها بعضهم في سياق المعرفة التوحيدية . فالذات مطلقة لا يمكن اكتناهها ومعرفتها ، والصفات عين الذات ، فلا يمكن إذن معرفة الصفات !
يعكس الإشكال خلطاً بين المفهوم والمصداق ، فإنّ الصفة عين الذات مصداقاً ، وما تدركه المعرفة التوحيدية الإنسانية بوجه يكون على صعيد المفهوم ، بالقيود والحدود التي ذكرت للمفاهيم خاصّة ، وللّغة بشكل عامّ .
إذن تبقى المفاهيم أوعية محدودة ويبقى الإدراك الإنسانى أسير تلك الحدود ، وتبقى الذات الإلهية فوق جميع التصوّرات بل حتى فوق هذا التصوّر الذي يفيد أنّه سبحانه بخلاف كلّ تصوّر .
وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
« 2 » .
يقول الإمام علي عليه السلام :
« ما تُصوِّر فهو بخلافه » « 3 » .
كما يرسم في
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 101 .
( 2 ) طه : 110 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 6 ، ص 102 .