تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الروايات التي تقدّمت عن الصفات كان يكفى الإمام لو كان نفى المقابل هو المقصود أن يقول : إن الله ليس بجاهل ، وليس بعاجز ، وليس بميّت ونحو ذلك ، بدلًا من الصيغة التي جاءت بها فعلًا : « هو نور لا ظلمة فيه » ، « حياة لا موت فيه » ، « علم لا جهل فيه » . أجل ، ما لا يمكن معرفته هو الذات أو اكتناه الذات ، والنهى الذي تضمّنه عدد من الروايات واقع على هذه المعرفة ، لا على الصفات والأسماء . إنّ عدم رعاية هذه الموازنة بين المعرفة المحالة والمعرفة الممكنة ساهم في بعض الالتباس الذي نشأ في هذا المجال . يطالعنا نصّ للإمام علىّ بن أبي طالب يرسم الحدود بين المنطقتين المحالة والممكنة ، بقوله عليه السلام : « لم يُطلِع العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته » « 1 » . كما أنّ هناك رواية مشهورة عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجّاد تتجاوز إمكان المعرفة إلى المعرفة التوحيدية العميقة . فعندما سُئل عن التوحيد ، أجاب عليه السلام : « إن الله عز وجل علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والآيات من سورة الحديد إلى قوله وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ فمن رام وراء ذلك فقد هلك » « 2 » . ثَمَّ نصّ جلىّ يبيّن بوضوح إمكان المعرفة ، بيدَ أنّه يترسّم لها مساراً ضابطاً يقيّدها بين حدَّى التعطيل والتشبيه ، فقد سُئل الإمام أبو جعفر الثاني عليه السلام : يجوز أن يقال لله إنّه شئ ؟ قال : « نعم ، يخرجه من الحدّين حدّ التعطيل وحدّ التشبيه » « 3 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة 49 ، ص 88 . ( 2 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 91 ، الحديث 3 . ( 3 ) الأصول من الكافي ، ج 1 ، ص 82 .