بمعزل عن بقية نصوص الإمام في المصادر الأخرى ، ومن ثمّ ليس من الصحيح الاكتفاء بهذا المقطع من « النهج » للكشف عن الاتجاه النظري لموقف الإمام من الصفات ، بل لابد من تتبّع النصوص الأخرى وتكوين الرؤية من خلال ذلك .
2 حين العودة إلى الخطبة الأولى ذاتها وتفحّص ما سبق هذه الفقرة وما تلاها نلحظ أنّ الإمام ليس بصدد بيان نظرية المعتزلة أو نظرية الأشاعرة ؛ يقول عليه السلام في الفقرة ذات العلاقة :
« وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه »
، والسؤال : ما هو المراد بالإخلاص هنا ؟ يطلَق الإخلاص مرّة ويراد منه ما يرتبط بتطهير النيّة وتخليصها من الرياء وغيره في الجانب العبادي والعملى من الطاعات ، ويطلق تارة أخرى ويراد منه أن يكون الإنسان مخلصاً على المستوى النظري العقَدى .
من الواضح أنّ الإخلاص في نصّ الإمام لا يرتبط بالبعد العملي للإنسان ، بل بالجانب العقَدى منه .
في هذا الضوء يتمثّل الإخلاص التوحيدي بنفي الغير عن الله ، حتى لو كان الغير صفة زائدة على الذات ، لأنّ الإيمان بها يلزم الشرك ؛ لما يفضى إليه من الوحدة العددية التي تقبل الغير ، بعكس الوحدة الحقّة الحقيقية .
وما يقصده الإمام عليه السلام بالإخلاص أنّ توحيد الله سبحانه هو نحو
توحيد لا يقبل الغير وإن كان ذلك الغير صفة له .
على هذا الأساس يكون معنى
« وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه »
، نفى الصفات الزائدة ، وإلّا لو كانت الصفات عين الذات لما كانت غيره ، وبذلك يتحقق الإخلاص في التوحيد الذي يعنى نفى الغير .
بهذا يتحوّل نصّ الإمام أمير المؤمنين إلى دالّة واضحة على ردّ نظرية الأشاعرة التي تذهب إلى أنّ الصفات زائدة على الذات . والقرينة التي تؤيّد ذلك وترجّحه هي قول الإمام في تتمّة الخطبة :
« فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ،
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 153
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٣