في هذا الضوء نفهم تصحيح الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام لشخص كتب إليه في دعاء : الحمد لله منتهى علمه ! فردَّ عليه الإمام :
« لا تقولنّ : منتهى علمه ؛ فليس لعلمه منتهى ، ولكن قل : منتهى رضاه » « 1 » .
والسرّ أنّه لا نهاية لعلم الله لأنّ العلم من صفات الذات ، فلا منتهى له لعدم تناهى الذات . لا يقتصر الأمر على هذه الصفة وحدها ، بل إنّ الصفات الذاتية جميعها غير متناهية ، بعكس الصفات الفعلية .
فلو لم تكن صفات الفعل متناهية فلا معنى أن يأتي الضدّ ، فالغضب يبدأ عندما تنتهى الرحمة ، ومعنى ذلك أنّ الرحمة تمتدّ إلى حدٍّ ثم تقف ليبدأ الغضب ، أمّا لو كانت هذه الصفة غير متناهية لما جاء دور الغضب . وقد ميَّز العلماء في صفة الرحمة بين الرحمة العامّة والرحمة الخاصّة ، حيث أوضحوا أنّ الرحمة بالمعنى العامّ من صفات الذات .
وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ
« 2 » .
ما ينتهى إليه المعيار الكلامي للتمييز بين قسمي الصفات الثبوتية هو أنّ كلّ ما وُصف به الله وبما يقابله فهو صفة فعل ، وكلّ ما لا يتّصف إلّا بأحد طرفيه دون الآخر فهو صفة ذات .
ب : الضابطة الفلسفية
في الضابطة الفلسفية يقوم التمييز على أساس انتزاع صفة الذات من فرض الذات وحسب ، فالذات وحدها كافية للاتصاف بهذه الصفة بقطع النظر عن أىّ شئ آخر . أمّا صفات الفعل فهي ما يحتاج في تحقّقها إلى فرض تحقّق الغير مسبقاً . فما لم يوجد لله خلق ، لا يمكن انتزاع صفة الخالقية ، وما لم يكن هناك ما يرزقه لا تنتزع صفة الرازقية .
ومن ثمّ
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ج 1 ، ص 107 .
( 2 ) الأعراف : 156 .