فالصفات السلبية الجلالية فيما تنزّه به الله سبحانه ترجع بأجمعها إلى نفى النقائص والأعدام عن الله ، لا إلى نفى كمال عنه سبحانه ، ومرجع نفى النقص إلى إثبات الكمال ، ومرجع إثبات الكمال ينتهى بدوره إلى بساطة الحقّ سبحانه أوّلًا ، وإلى لا تناهيه ثانياً .
توضيح ذلك : أنّ الله سبحانه عندما يكون غير متناه فلا معنى أن يُسلب منه وجود أو كمال وجودىّ . ولذلك إذا ما قلنا : « إنّ الله ليس جسماً » ، و « إنّ
الله لا يُرى » ، و « إنّه سبحانه ليس جوهراً » فإنّ ما يسلب عنه في الحقيقة هو النقائص والأعدام ، وليست الجسمية كمالًا حتى يكون تنزّه الله سبحانه عنها سلباً لكمال ، وليست الحركة كمالًا لله حتى يكون سلبها عنه بمنزلة سلب كمال عن الله سبحانه ، وإنّما هي سلب نقص وعدم .
بذلك ترجع جميع الصفات السلبية التنزيهية إلى حقيقة واحدة هي سلب النقص ، وبحسب تعبير الشيرازي : « والأولى ( الصفات السلبية الجلالية ) سلوب عن النقائص والأعدام ، وجميعها يرجع إلى سلب واحد هو سلب الإمكان عنه تعالى » « 1 » .
فالله سبحانه ليس ممكناً ، وما يريده من الإمكان هنا هو الإمكان الفقرى ، فسلبه يعنى أنّ الله سبحانه ليس فقيراً .
أمّا الصفات الثبوتية فمرجعها جميعاً إلى إثبات الكمال ؛ إمّا إثبات وجود ، أو صفة وجودية ، وهى بدورها ترجع إلى صفة أصيلة واحدة هي الغنى الذي يعبّرون عنه ب « الوجوب المتأكّد » .
من الواضح أنّ ما يقابل الإمكان هنا هو الوجوب ، فإذا ما فسّرنا الإمكان بمعنى الإمكان الفقرى فسيكون الوجوب بمعنى الغنى . فالله سبحانه عين الغنى ، وكلّ ما عداه عين الفقر
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 118 .