الأمر الثالث : استحالة المعرفة بالكنه
من النتائج الأخرى التي تثبت على التوحيد الذاتي ببعديه الواحدي والأحدى استحالة معرفة الله بالكنه ، إذ لا يمكن أن نقف على ذاته وكنهه وحقيقته
« يامن لا يعرف ما هو إلّا هو »
. فحيث ثبت أنّ الله سبحانه غير متناه وما عداه متناه ، فمن المحال أن يحيط المتناهى بغير المتناهى ، وأنّى له ذلك !
فلو أنّ الإنسان اكتنه حقيقة شئ ووقف على كنهه فقد أحاط به ، ولو كانت تلك إحاطة علمية . ولما كان الواجب سبحانه غير متناه ، فمن المستحيل للإنسان أن يكتنهه ، حيث لا يمكن للمتناهى كما مرّ أن يحيط به علماً .
وفى هذا الاتجاه راح القرآن الكريم والمأثور من حديث النبىّ وأهل بيته صلوات الله عليهم يحذران الإنسان من الانزلاق إلى هذا الوادي السحيق ؛ لما يفضى إليه من تيه وضياع وضلال .
فمن حيث القرآن وردت آيات عديدة تثبت حقيقة عدم إمكان الإحاطة به علماً ، منها قوله سبحانه :
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
« 1 » .
وفى ردّ الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام على أسئلة وشبهات أبى قرّة المحدّث ، أنّ الإمام احتجّ في دفع الرؤية بقوله سبحانه :
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
وآية
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ
« 3 » حيث قال عليه السلام :
« فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة »
« 4 » . والمعرفة التي يعنيها الحديث هي المعرفة الإحاطية . وكذا الحال إذا وقع كنهه في العقل ، وإذا وقعت هويّته وذاته فيه أيضاً . توضيح ذلك : أنّ الإحاطة على
هامش
( 1 ) طه : 110 .
( 2 ) الأنعام : 103 .
( 3 ) الشورى : 11 .
( 4 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 96 .