تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
على المنوال ذاته تجرى القاعدة القرآنية التي يشير إليها قوله سبحانه : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ « 1 » ، لأنّ الله محيط بكلّ شئ ، بظاهره وباطنه ، وبأوّله وآخره : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ « 2 » ، فكلّ شئ له سبحانه . لهذا يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « داخل في الأشياء لا بممازجة ، وخارج عنها لا بمزايلة » . كما يقول عليه السلام : « معرفته توحيده ، وتوحيده تمييزه من خلقه ، وحكم التمييز بينونة صفة ، لا بينونة عزلة » لأنّه لو انعزل صار محدوداً ، أي تنتهى رتبته الوجودية إلى حدٍّ محدود ليبدأ الوجود الآخر ، حيث يلزم من ذلك المحدودية ، والحقّ سبحانه غير محدود . كيف نميّزه إذن ؟ يوضِّح الإمام أمير المؤمنين أنّ ذلك يكون من خلال الصفات ، حيث قوله عليه السلام : « إنه ربٌّ خالق غير مربوب مخلوق ، ما تُصوّر فهو بخلافه » « 3 » وهذا من ثمار ثبوت البساطة المطلقة . هناك ثمرة أخرى أسّس لها فلسفياً صدرُ الدين الشيرازي في مقولات الحكمة المتعالية . فعندما يقال إنّ الله سبحانه بسيط الحقيقة ، فإنّ معنى بسيط أنّه خال من أىّ نحو من أنحاء التركيب الخارجي والعقلي وغيرها . وهذه صغرى القياس . أمّا كبراه فهي : وكلّ بسيط الحقيقة فهو تمام الأشياء ، فبسيط الحقيقة إذن كلّ الأشياء وتمامها وليس بشئ منها . هذه قاعدة فلسفية من أجلّ القواعد الفلسفية أرستها برهانياً مدرسة الحكمة المتعالية على يد صدر الدين الشيرازي ، سيأتي مزيد توضيح لها في البحوث القادمة إن شاء الله تعالى .
هامش
( 1 ) الحديد : 4 . ( 2 ) الحديد : 3 . ( 3 ) الاحتجاج ، الطبرسي ، نقلًا من : علىّ والفلسفة الإلهية ، السيد محمد حسين الطباطبائي ، مؤسسة الثقلين الثقافية ، بيروت ، ص 55 .