تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
ضربين ، إحاطة بصرية وإحاطة بصيرية ( نسبة إلى البصيرة ) تقع في القلب ، والقرآن ينفى الإحاطتين كلتيهما ، فأنت إذا قلت « إنّ الإنسان حيوان ناطق » فقد عرفت هويّته ، ومعرفة هوية ذات الحقّ محال ؛ لاستحالة الإحاطة بضربيها . يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « لم يُطلع العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته » « 1 » ، إذ يجمع النصّ في توازن دقيق بين استحالة الإحاطة كنهاً وإمكان المعرفة في حدّها الواجب . وربما أشار بعض المفسّرين إلى استحالة المعرفة الكنهية وتحذير القرآن منها ، بقول الحقّ سبحانه : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ « 2 » حيث لا يمكن لأحد أن يبلغ ذلك المقام . من روائع كلمات أمير المؤمنين في هذا المجال ، قوله عليه السلام : « فتبارك الله الذي لا يبلغه بُعد الهِمَم ، ولا يناله حدس الفِطَن » « 3 » . فربّما يمكن استشفاف أنّ قوله عليه السلام : « بُعد الهمم » له علاقة بسلوك العارف ، ومن ثمّ فيه إشارة إلى البُعد العملي ، حيث يسعى الإنسان إلى أن ينكشف له الحقّ وتحصل له معرفته بكنه ذاته من خلال الإشراق القلبي وعن طريق التزكية الباطنية ، فيأتي هذا النصّ للإمام ليوصد الباب في هذا الاتجاه . وفى مقابل ذلك ، يُشير قوله عليه السلام : « حدس الفطن » إلى الحدس العقلي ، ليكون المعنى أنّ الطريق إلى اكتناه الذات مغلق أمام الإنسان ، سواء سلك لمعرفته طريق الكشف والإشراق وتزكية الباطن أو طريق العقل والقوّة الإدراكية .

المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة

لكن مرّ علينا أكثر من مرّة أنّ الإمام أمير المؤمنين نصّ في خطبته : « أوّل
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطية رقم 49 ، ص 88 . ( 2 ) آل عمران : 30 . ( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 94 ، ص 138 .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 102 | السيد كمال الحيدري