والجن ، وبخرق المعاجز للسنن الطبيعية والأسباب المادّية تحرّزاً من رمى المادّيين إيّاهم بالخرافة والإيمان بما لا تؤيّده التجربة ولا يثبته الحسّ . ولأجل ذلك سلكوا طريقاً وسطاً ، وهو تأويل بعض ما جاء في مجال الغيب خصوصاً المعاجز والكرامات ، حتى يستريحوا بذلك من هجمة المادّيين ، ويرضوا به طائفة المتدينين » « 1 » .
في ضوء معطيات البحث المتقدّم نرى من غير الممكن أن يقتصر الباحث في تفسير المعاني والحقائق الإلهية على معطيات الحسّ والتجربة ويحكم عليها قوانين عالم المادّة والطبيعة ، ذلك أن الحقائق المذكورة وإن صيغت في قالب الألفاظ التي تعارف عليها عامة المجتمع البشرى ، إلّا أن ذلك لا يبرّر أن يكون المراد منها نفس ما يتبادر إلى الذهن البشرى من المعنى الذي جرت عليه العادة ، بل لابدّ
من الرجوع إلى الخطاب السماوي نفسه وتحكيم بعض عباراته على بعضها الآخر للوصول إلى المعنى المقصود في الوحي الإلهى .
واستناداً إلى ذلك فلو كان المعنى المراد ليس مما يقع تحت سلطان القوانين المادّية فلابدّ أن نلتمس منهجاً تفسيرياً آخر لا يمتّ إلى العلوم الطبيعية بصلة .
وسيراً على هدى هذه الحقيقة فإن ظاهرة الوحي والنبوّة لا يمكن أن توضع في المختبر الذي يتعامل وفقاً لقوانين المادّة المتحوّلة لكي نقول إنها نوع نبوغ فكرىّ أو صفاء باطنىّ يرجع إلى تكوين الإنسان المادّى ، بل ينبغي استنتاج النظرة القرآنية المتكاملة عن هذه الظاهرة وذلك بضم الآيات التي تحدّثت عن الوحي بعضها إلى بعضها الآخر ، ومن خلال ذلك نرى أن ظاهرةً كالوحى الذي يحصل عند الأنبياء ليست مما ينسب إلى شئ
هامش
( 1 ) السبحاني ، الشيخ جعفر ، الإلهيات : ج 3 ص 87 .