والصلاح .
فإن سأل سائل :
على فرض أن العقل لا يستقلّ بالعمل والتقنين الصحيح عند كلّ فرد أو عند
كلّ مجتمع وفى جميع التقادير ، ولكن لماذا لا نقول إن الطبيعة تميل دائماً إلى ما فيه صلاحها ، فالمجتمع التابع لها مثلها يكون هادياً إلى صلاح أفراده ويستقرّ في نهاية المطاف على هيئة صالحة تتوافر فيها سعادة جميع أفراده ؟ وهذا الأصل هو الذي يُطلَق عليه ب « تبعية المحيط » ، أي أن التفاعل بين الجهات المتضادة يفضى في النهاية إلى مجتمع صالح مناسب لمحيط الحياة الإنسانية . يشهد على ذلك ويؤيّده ما نلاحظه من تاريخ المجتمعات التي لا تزال تميل إلى التكامل وتنشد الصلاح وتتوجّه إلى السعادة عند البشر .
كان الجواب :
إن ميل المجتمعات إلى جهة كمالها وسعادتها أضحى حقيقة لا سبيل إلى إنكارها والتغافل عنها ، إلّا أنه لابدّ أن نلتفت إلى أن التمايل المذكور لا يستوجب تحقّق الكمال والسعادة الحقيقية لبنى البشر فعلًا ؛ لما ذكرنا قبل قليل من تحقّق الكمال الشهوىّ والغضبىّ في بادئ
الأمر عند الإنسان بالفعل دون تحقّق مبادئ السعادة الحقيقية التي هي فيه بالقوة . فإن ما نراه من الكمال عند المجتمعات التي تميل إلى نيل كمالها وسعادتها هو الكمال الجسمي أو المادّى المتعلّق ببدن الكائن البشرى ، وهذا النوع من الكمال ليس هو الكمال الحقيقي الذي تنشده
الإعجاز بين النظرية والتطبيق — صفحة 100
مساهمون: محمود نعمة الجياشي
ص١٠٠