وغيرها ، مما يفيد أن لهذه المفاهيم جميعاً حقائق واقعية ومصاديق خارجية تتناسب وشأنها ، لكن غاية ما هناك أن الإدراك الإنسانى لم يألفها ؛ لألفته بمصاديق عالم المادّة دون ما يقع وراءه .
وعلى هدى هذه الحقيقة ينبغي الرجوع في تعيين المصداق المقصود من اللفظ إلى ما يفسّر به بعض الكلام الإلهى بعضه الآخر .
وحينئذ ينظر إلى الأبحاث العلمية وقوانين المادّة أتنافى حقيقة المصداق التي تم التوصل إليها أم لا ؟ فلو ثبت
أن مصداق القلم ونحوه شئ خارج عن قوانين المادّة وأحكامها فيكون الطريق إليه حينئذ نفياً وإثباتاً لوناً آخر من البحث غير البحث الطبيعي الذي تتكفّله العلوم المادّية ، بمقتضى أن العلم الباحث عن المادّة وخواصّها ليس من شأنه التعرّض لما وراء المادّة نفياً وإثباتاً ، ولو قام باحث بذلك فهو نظير ما لو أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك ، وهو خطأ فاحش من الناحية المنهجية .
وقد سلك هذا المنهج المادّى في تفسير المعارف الإلهية مجموعة من مفكّرى المسلمين الذين أدهشتهم الحضارة المادّية الحديثة ، « فوجدوا أنفسهم في صراع عنيف بين الإيمان بالغيب ، باعتباره عنصراً أساسياً في الدين ، ومبادئ الحضارة المادّية التي لا تعتبر إلّا ما كان قائماً على الحسّ والتجربة ، فمن الجهة الأولى لم يجرؤوا على إنكار ما هو خارج عن إطار أدوات المعرفةالمادّية كالمعاجز لأنهم مسلمون ، ومن الجهة الثانية لم يتجرّؤوا
على التصريح بوجود الملائكة
الإعجاز بين النظرية والتطبيق — صفحة 96
مساهمون: محمود نعمة الجياشي
ص٩٦