يمكن أن يُدرَك كنهه ، بل يجب الإيمان به كما هو شأن كلّ أمر غيبىّ لا يحيط الإنسان المادّى بحقيقته » « 1 » .
بالاستعانة بمعطيات الفقرات السابقة من البحث ينبغي بناء مسألة ظاهرة النبوّة والوحي الإلهى على النظرة المختارة في حقيقة الوجود وماهية عالم الإمكان ، فلو بنينا على أن عالم الإمكان مساوق للمادّة ، سوف يتحتّم علينا تفسير ظاهرة النبوّة بأدوات المعرفة المادّية والتجربة الحسّية فقط ، وإن بنينا على أن عالم الإمكان أوسع من المادّة وآثارها فيمكن حينئذ أن
نفسّر هذه الظاهرة بالتفسير الذي يتلاءم مع سموّها عن قوانين المادّة وأحكام الحسّ والتجربة .
في ضوء ذلك نجد من اتخذ لنفسه موقفاً مسبقاً حول سعة الوجود وضيقه وسعة أدوات المعرفة البشرية وضيقها وعجز عن إدراك الوحي كنوع متميز عن الإدراك البشرى ، حاول أن يفسّر حقيقة النبوّة والوحي في ضوء الأصول المادّية وقوانين الحسّ والتجربة لكي لا يؤدّى البحث إلى اتهام أشخاص كالأنبياء بالكذب والافتراء ، وقد اتجه البحث عند أمثال هؤلاء إلى تفسير ظاهرة النبوّة بنوع من النبوغ الفكري الخاصّ عند الأنبياء تارة ، وأخرى أن النبوّة هي ظهور الشخصية الباطنية للنبي أو الرسول ؛ فهي التي تلهمه بنوع من العلوم والإدراكات التي ينتفع بها وقومه .
وفيما يلي نستعرض أهم النظريات
التي أدرجت مسألة الوحي في
هامش
( 1 ) راجع الإلهيات للشيخ جعفر السبحاني : ج 3 ص 129 .